Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

اطمئنان

قصة: حسن م. يوسف

 

-    "أهلي محافظون.. ابتعد أرجوك! إنهم ينظرون إلينا!"

-    "لم أعد أهتم. أريد أن أراك!"

-    "غداً هنا بعد الدوام".

**

وانتهت كآبة الحجارة السجينة في جدران المدينة، تدفق الدم في خلاياها الجافة الهرمة وابتسمت. اندلع قلب وديع. شبّ. اندفع بين أضلاعه فرساً برياً أهوج يقرع دروب الجسد المهجورة بحوافره فهرول الدم مذعوراً في شرايينه كما الأطفال في زواريب القرى عندما تهجم الخيالة.

"غداً هنا"

اضطرمت عيناه ألقاً. هب يعدو في الشارع المزدحم وبواكير البحر تتدفق في روحه تردم تجاعيد الكآبة عن جبينه المتعب. قفز ملتفاً كي يتفادى أحد المارة، شرع يصفر لحناً لم يسمعه من قبل. ارتطم بشاب رصين يرتدي بزة سوداء. رمقه الشاب بنظرة غضبى. قال مرتبكاً!

-    "المعذرة يا أخي.. آسف.. آسف والله…"

عانق الشاب كما لو أنه حبيبته! أردف: "عفواً يا صديقي.. أنا آسف.. آسف جداً!"، وانطلق من جديد تاركاً الشاب الرصين كتلة سوداء ذاهلة.

عرج على محل لبيع الزهور. طلب وردة حمراء. رمقه البائع بنظرة استخفاف. تشاغل عنه بقطف حبيبات العرق عن جبينه. شلح قطعة النايلون التي كفن التاجر الوردة بها. تابع الركض. توقف، تمتم بنشوة:

-    "أيها الناس، لكم أنتم طيبون. لكم أحبكم. أنتم رائعون، رائعون! وعالمكم في غاية الجمال."

انطلق، وصل إلى ناصية الشارع. تعلق بعمود كهرباء. قفز حوله بحركة دائرية. لمح شاباً وفتاة يعبران الشارع متماسكين بالأيدي. تمتم:"إنه الحب! ما أجملهما!".

اتسعت ابتسامته. اقترب منهما بجرأة لم يعهدها في نفسه:

-    "عفواً، أنا سعيد.. سعيد جداً. أتسمحان أن أقدمها لكما؟ إنكما…"

وضع الوردة على كتف الفتاة. نظر إلى الشاب المندهش المتحفز للصراع ثم تدفق من جديد نبعاً بشرياً فوق الإسفلت الأسود.

**

أخيراً جاء الليل وانسحبت المدينة إلى درقتها المسلحة واختبأت الأغاني. كان المنبه متربعاً على منتصف طاولة وديع يلكز الصمت برتابة مستفزة معلناً أنه سائس الوجودات النائمة وسواها.

حدق وديع في عقرب الثواني. أحس بصوت المنبه يتضخم بازدياد فما كان منه إلا أن لفه في معطفه وألقى به خلف الباب. تناول دفتر التحضير.

"لا تلمه إن لم يحضر يا سيادة المدير. يبدو أنه قد وجد من ستقتاده من أنفه إلى معلف الزوجية. أنا أعرف هذا النوع من البشر.. يحدث زلزالاً صغيراً عندما يقع ثم يعيد حساباته بهدوء ويمضي باسماً إلى المسلخ! رحمه الله سلفاً. لقد كان معلماً ممتازاً!"

أخرج صورةً من حافظة دفتر التحضير. استعرض وجوه تلاميذه الواحد تلو الآخر. توقف عند طفل هزيل ذاهل مشار إليه بسهم.

-    خلف! ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟"

-    أريد أن أكون… فلسطين يا أستاذ.

-    "اسمع يا بني. لقد أضاعت السياسة الكثير. أوصيك أن تعمل بشرف وأخلاق أما السياسة فليست للدراويش أمثالنا. أتفهمني يا بني؟"

-    نعم أستاذ.

تذكر الحليب الذي وضعه على النار منذ مدة طويلة. أطلق ضحكة مكتومة وقفز باتجاه المطبخ.

"أعني الأستاذ وديع، إنه يبالغ في اهتمامه بذلك التلميذ! ماذا لو فعلنا كلنا مثله واشترينا الحليب لتلاميذنا المصابين بسوء التغذية؟ لا شك أننا وأطفالنا سنصاب بنفس المرض!"

تهادى إلى أذنيه وقع أقدام مضطربة في الخارج. تعثرت يده بعلبة عام الكناري. تذكر بأنه لم يطعمه منذ الصباح. التقط العلبة وعاد إلى الغرفة بادي القلق. ربت على قضبان القفص. أخرج الكناري رأسه من تحت جناحه الأيسر ونظر إلى وديع دون أن يتحرك. همس وديع: "يا لطائر الحبيب. مساء الخير يا أخي.. لم أنت حزين هكذا؟ كن صبوراً، لن تطول وحدتك. ستتزوج أنا وأنت في نفس اليوم. سأشتري لك زوجة جميلة مثل بديعة. قسماً لو رأيتها يا صديقي لفكَّ عقال لسانك ولسبحت الخالق بلسان عربي مبين!".

"غداً هنا بعد الدوام".

نظر إلى الكناري بعذوبة ودفء، تابع: "سنتقابل غداً.. غداً! أتعرف ماذا يعني هذا؟ بسمة فموعد فلقاء فالسلام عليكم! سندخل السينما، سأنظر إليها طوال الفيلم وسأغازلها برجلي كما نصحني الأستاذ سلامة لعنه الله! وعندما تبكي البطلة على صدر البطل سأضع يدي على يدها.. أجل سأقبل يدها وليأت الطوفان!".

قاطعه وقع أقدام عجلى على الدرج. شعر بالخجل.

"لقد عدت مراهقاً يا ما شاء الله!"

جلس إلى المنضدة، تناول قلمه. رسم دائرة كبيرة.. رسم في داخلها عدة خطوط، تحولت الدائرة إلى وجه مقيت ينظر إليه باستخفاف. مزق الورقة، التفت إلى الكناري المنهمك في تناول عشائه. ابتسم من جديد. تناول القلم وكتب في منتصف الصفحة البيضاء:

"في كل الأيام، كنت أغادر مدرستي مشبعاً بالبسمات الشاحبة، أسير في الأزقة الفقيرة المزدحمة وتلاميذي من حولي يتغامزون ويصخبون.

في كل الأيام، كنت أعود وحيداً إلى غرفتي. أحمل أرغفة الخبز الساخنة في يدي وحسرة الأيام الباردة في قلبي. واليوم كاد أن يكون البارحة، لكننا التقينا. احتشدت الغيوم في السماء كي ترانا وعندما ابتسمت حبيبتي ضحكت الغيوم وتهاطلت…

وفجأةً.

**

يرتطم جسم صلب بقفل الباب. يندفع لسان المزلاج إلى الداخل. يهب وديع واقفاً. ينفتح الباب ويندفع منه رجلان أولهما يشهر سكيناً طويلة مدببة حادة. يغلق الرجل الثاني خلفه الباب بخفة وحرص. يهدر صوت الرجل الأول:

- "كلمة وأقطع عنقك! أين هي؟".

يسقط القلم من بين أصابع وديع. ينتفض كمن أفاق من حلم. يحاول استجماع شجاعته. يصيح بصوت مرتجف:

-    "ماذا تريدان؟ اخرجا من البيت فوراً وإلا…"

يقفز الرجل الأول إلى الأمام. يهوي بسكينه على وجنة وديع اليسرى. يحاول وديع أن يصرخ لكن يد الرجل الأول تجهض الصرخة في حنجرته. يتدفق الدم بغزارة من خد وديع. يترنح. يدفعه الرجل إلى حضن كرسي الخيزران. يجأر:

-    "نحن لا نمزح! أين هي؟"

تستقر عينا ذي الشارب على قفص الكناري. يقترب منه بهدوء. يهدد. يشعل إحدى سجائره. يلتفت إلى الرجل الأول ويقول بصوت آمر بارد:

 "فتش في الداخل".

يلتقط وديع المنشفة عن مسند الكرسي. يضغطها فوق الثلم الذي خلفته السكين. يرفع عينيه إلى وجه ذي الشارب. يتمتم بخشوع ورعب:

-    أقسم بأنها لم تأت إلى هنا! أنا لم أكلمها في حياتي إلا اليوم. قصدي شريف والله! أنا مستعد أن أخطبها، بل أن أتزوجها الآن. لا تظلمني وتظلمها أقبل يديك!"

-    يعود الرجل الأول حاملاً سكينه الدامية. ينظر إلى وديع بتشكك. يصرخ بهدوء:

-    "لقد رأيتها بعيني تدخل إلى هنا! تظن أنك قادر على قنصها من أبي السباع يا كلب!! أبو السباع مدوخ البلد.. أنت تتطاول عليه؟! انطق! أين هربتها؟"

يطلق ذو الشارب نفساً عميقاً من سيجارته. ينظر إلى الرجل الأول فيصمت. يفتح ذو الشارب باب القفص بحرص. يخاطب وديع بصوت فولاذي مغلف بالنعومة:

"طائر جميل. أنا أيضاً أحب الطيور."

يمرر أصابعه الكبيرة على رأس الكناري. يقرب جمرة سيجارته من عينيه. يزم الكناري رأسه إلى الداخل. يخرج رأسه تحت ضغط الأصابع. ينظر ذو الشارب إلى عينيه الصغيرتين البراقتين. "طائر بديع أليس كذلك؟"

يغرز ذو الشارب عينيه الباردتين في عيني وديع. يقرب جمرة سيجارته من عيني الكناري. يغمض الكناري عينيه. تبيضُّ العين الأولى. ترتعد أوصال وديع. ينسى جرحه النازف. يحس بقوة هائلة تسري فيه. يعض أصابع الرجل الأول المطبقة على فمه. تنعتق الصرخة: "مجرمون! مجرمون! مجـ…"

تطبق يد الرجل على فمه من جديد. يقذف ذو الشارب الكناري المحروق العينين إلى أعلى. تبدأ عضلات فكه رقصها الجنوني المتصاعد. تتشنج شفتاه بأفعوانية مقرفة. يدفع يده إلى الخلف فتتكشف عن موس حلاقة ناصع النصل. يتقدم نحو وديع يخاطبه بنفس الصوت الجليدي:

"والآن، قل لي أين تلك العاهرة؟"

وبسرعة البرق يرسم بحد الموس خطاً أبيض على خد وديع الأيمن سرعان ما يغصّ بالدماء. يخر وديع بين يدي ذي الشارب. يتمتم بوهن:

"أقسم برأس أمي! أقسم… بديعة لم تأت إلى هنا".

يغمغم ذو الشارب:

"بديعة؟!…"

يرد صاحب السكين الكبيرة بانفعال:

"العاهرة. إنها تغير اسمها كل دقيقة! لقد خبأها بينما كنت أخابركم!"

تعود التكشيرة الوحشية إلى وجه ذي الشارب. يطبق بموس الحلاقة على عنق وديع المضرج بالدم. يزعق بحدة مفاجئة:

"انطق! أين هي؟"

ينتفض وديع بشكل متتابع. يحكم ذو الشارب قبضته على ياقة وديع. يضغط بالموس على عنقه. يضغط بالموس على عنقه. تجحظ عيناه. يهدر ذو الشارب:

"قل أين هي يا كلب؟"

يهز وديع بكل قواه. ينغرس الموس في عنق وديع أكثر وأكثر. تتصاعد منه حشرجة جافة. يصرخ الرجل الأول برعب:

"ذبحته!"

يشلح ذو الشارب وديع فوق الأرض فتتسع دائرة الدم حول جسده وتخفت حشرجاته إلى أن يسود الصمت.

**

يهمس الرجل الأول بصوت مرتجف:

"قتلته. لقد حذرك سيادته من القتل!"

يزعق ذو الشارب ملدوغاً:

"سيادته! قلت لك أن لا تذكره أمامي. الكلب. إنه يمتصنا دون مقابل. قل لي، ماذا فعل لنا منذ حادثة سلهب؟ لا شيء. لكنه لم يتوقف عن البلع!"

تصطك أسنان الرجل الأول. يهمس بصوت متقطع أجش، مشيراً إلى وديع:

"لكنك قتلته!"

يرد ذو الشارب بهدوء مفتعل:

"الحيوان، لقد أغضبني!"

يهمس الرجل الأول:

"لكن، ماذا سنقول لسيادته الآن؟…"

يمسح ذو الشارب الدم عن موس  الحلاقة بالورقة التي كتب عليها وديع كلماته الأخيرة. يتمتم بهدوء حازم:

"لسوف أجد تلك العاهرة ولو كانت في الواق الواق!"

يمر فوق جثة وديع دون اكتراث. يقف خلف الباب. يصيخ السمع قليلاً. يفتح الباب بحرص، يهمس:

"لا أحد هناك. هيا بنا".

                                          بيروت – القاهرة

                                          بغداد – الخرطوم – الدار البيضاء

                                          صنعاء – المدينة المنورة…إلخ

                                                  كانون الأول 1973

سيف يعبر المدينة

قصة: حسن م. يوسف

 

 

"لا فرق بين الوحل والغبار… لا فرق"

استلقى على لحاف مفروش على أرض الغرفة القذرة. عد خشبات السقف مرة أخرى. جرجر عينيه فوق باب التوتياء. ارتطمت عيناه بعين "السلطعون" ذي الرأسين الرابض على باب وكره الموحل عند الخابية. رماه بفردة حذائه. أطلق شتيمة مكتومة. نظر إلى صورة يوري غاغارين المثبتة إلى جدار الغرفة الطيني.

(يوري غاغارين، ستبقى ذكراك إلى الأبد)

صفق الباب خلفه.

"الليل طويل وحبيبتي حكاية، زهرة تذوب في كف الليل".

كان سيف يجر قريته خلفه في أحد شوارع دمشق العريضة والليل يزداد عمقاً ووحشة.

"كل ما أتمناه أن يصير الخبز مجانياً والحب إلزامياً. عندها ستكون عظامي سعيدة حتى لو تغوّطَ أبناء قريتنا على شاهدة قبري كل مساء".

 

اقترب من سيارة "بويك" سوداء تقف أمام كراج نصف مغلق على رأس شارع فرعي هادئ.

-    "أين تقيم الآن؟"

-    "عند صديق. هناك"

-    "هناك! أين؟"

-    "هناك في أحد البساتين.. عند مدخل المدينة"

-    "مدخل المدينة! غريب! خذ واملأ الاستمارة بنفسك!"

شمل المحيط بنظرة عجلى. تجمدت عيناه عند نافذة حمراء. تأرجح ظل امرأة وراء الزجاج الشفاف. التهبت عيناه. انطفأ الضوء وساد صمت غريب:

 

"اللعنة! هذه المدينة خشخاشة كبيرة اختنقت ديدانها نوماً."

 

اندلع في عينيه قصر كبير من الجماجم. تدحرجت واحدة منها محدثة قعقعة حادة. تدحرجت. استقرت بين قدميه. انفتح فمها العظمي. خرج منه صوت أجش:

"سيف. ألا تعرفني؟ أنا أبوك! المغدور!"

ابيضَّ وجه سيف. اندلقت عيناه من محجريهما. نفض رأسه الأشعث. انحل خيط الرعب من بين تغضنات وجهه ببطء. رصد محيطه الأنيق مرة أخرى. فك أزرار سرواله "الكاكي" ومع تكسر خيط السائل الأصفر المجدول على غطاء المحرك، انطلق سيف يعدو في زواريب قريته محملاً بالكرَّاث والسلبين والبطم وارتفع به "الخيرقان" * يشق طيات الهواء بجسده العملاق. وبينما كانت الأرض تصغر مبتعدة شيئاً فشيئاً أغمض سيف عينيه وغنى:

"هب الهوى على بستاني وأنا زغير

كسر رووس أغصاني وأنا زغير

يا ربي لا تموتني وأنا زغير

ولا تحرمني شمات الهوى".

تراجع أمام السائل المزبد. نفض جذعه بجذل. لمح وجهه في مرآة السيارة. توقف لحظة كمن يقرر شيئاً ثم دفع المرآة بعزم إلى الوراء، فتحررت من هيكل السيارة محدثةً قعقعة ضاعفها صمتُ المدينة. لعلت صافرة. هدر صوت "قف! قف وإلاّ أطلقت الرصاص!"

كان الشارع كجثة سوداء شاسعة تخرشها النفايات تندفع بحرية مع ريح الفجر القارصة. كان سيف يركض برعب وحارس الليل البدين يهرول خلفه محدثاً ما استطاع من ضجيج منتضياً مسدسه.

أحس بأشياء غريبة تهوم حوله. عيون! عيون من أمامه! من خلفه! من كل الاتجاهات! من أحجار الرصيف.. من شقوق الأبنية. عيون. عيون سوداء.. زرقاء.. خضراء.. عسلية.. شهلاء.. بنية.. قاتمة.. مشعة.. عيون تحملق.. تهدد.. تحنو.. تبكي.. ترسل أشعة خفية مخدرة. تقفز فوق الإسفلت كالضفادع.. تحاصره سيلاً حياً دبقاً محملقاً. ترطمه. ينسدح. ينهض. يركض في مكانه. يترنح. يوشك أن يهوي. يترنح… لكن الأرض انشقت أمامه عن نهر ما أن قفز إليه حتى استشعر دفء عنصره فنام.

**

حدقت الأم في وجه زوجها النائم، همست:

"سليمان سليمان! هل نمت؟ والله لم يجئني النوم… قلبي يحدثني أن ابننا سيف لم يتعشّ الليلة أيضاً. إنه غريب في الشام لا أحد له!"

وتلاطمت خشبات السقف التي قرمزها الدخان في عيني الأم ثم تكسرت على خديها الذابلين دموعاً دافئة.

"قلت لك ألف مرة، بع العنزة وابعث له… لكنك لم تسمع مني! والله لم يتعشّ ابني الليلة أيضاً… أنا قلبي دليلي."

**

(أخي سيف،

لا أستطيع أن أحتمل أكثر. حياتنا صارت أقذر من روث الخنازير. أرجو منك مغادرة الغرفة صباح الغد، فالمكان ضيق والامتحانات…)

سقطت دمعة كبيرة على كلمة "أكثر" فتداخلت حروفها وانتفضت هضبة صغيرة انحدر عن قمتها سيل شفاف الزرقة توزع في دائرة صغيرة تشبه عين أمه:

 

"ماذا أوصيك يا ولدي. خذ حذرك من أولاد الخنى. لا تترك أحداً يضحك عليك. عندما تصل الشام، اسأل عن بيت العريف أبو لميا وهم يدلونك. كتبك في الكرتونة.. في الكيس خمس بيضات وستة أرغفة زوادة للطريق. انتبه لنفسك يا ولدي. وليكن قرشك كالرصاصة…"

**

- "يا أخ.. مرحبا. هل تعرف بيت العريف أبو لميا؟"

-    "أبو ماذا؟ هه! وهل هو أسعد باشا العظم حتى أعرف بيته؟!!

قال الخيرقان وهو يشق صدر غيمة سوداء:

-    "لماذا يركض الناس هنا كالمجانين يا سيدي؟!"

هز سيف رأسه المثقل بالسفر وقال:

-    "المدينة يا صديقي سوق كبير والأسواق كالرمال المتحركة إن لم يركض المرء سقط في معدتها الفولاذية وصار جزءاً من عملية البلع الكبيرة. لهذا يولد بعض الأطفال هنا وهم يركضون".

-    "غريب أمركم أيها البشر!"

**

 

دوى صوت:

"في هذا الشارع… اذهب من هنا وأنت معي! إذا لم يتوقف بعد أول إنذار أطلق النار دون الركبة. هيا!" انسل سيف إلى دغل آخر من الأبنية السامقة، قفز إلى الظل والدم ينزف من بين شفتيه المطبقتين بحزم. تذكر صديقه ابراهيم:

"لست أدري كيف تفهم العمل السياسي! أيام البهلوانيات والبطولات الفردية راحت ولن تعود! كلنا طفرانون مثلك لكن يجب علينا أن ننظم عملنا. أم أنك تريدنا أن نناطح الحيطان؟! تذكر ما قلته لك. إذا تابعت على هذا الطريق فلسوف يفضي بك إلى السجن. ولن تسجن لأنك ثوري بل لأنك لص!"

رطمه جسم صلد في خاصرته. استدار مرتعداً فرأى أقداماً تتضخم مقتربة نحوه. أقدام! أيد! آذان! تبرعم، تكبر بسرعة… على عواميد الكهرباء، على براميل القمامة.

أيد وأقدام تسوره، تصفعه، تركله، ترضه، تخضه بقسوة شيئية. وآذان جسيمة تضخم إيقاع الأقدام والأيدي المنهمرة على جسده النحيل.. الملتوي.. المتكور.. الهامد.

 

**

 

على شاطئ نهر أحمر كان سيف مكبلاً بالسلاسل وفي فمه خرقة سوداء قذرة وسط أناس لا ملامح لهم. قالت شابة عارية تجلس على كرسي من لحم.

"ما اسمك؟"

رد رجل يرتدي قفطاناً أسود وقبعة مضحكة.

"اسمه سيف يا سيدتي"

"من أين جئت؟"

"يقال بأنه لا يجيء يا سيدتي بل ينبع من الأرض".

"ما عملك؟"

"يقال بأنه ملك!"

"ملك ماذا؟"

"يقال بأنه ملك العصافير والطرقات يا سيدتي".

"العصافير! وما هي العصافير؟"

"يقال بأن العصافير نوع من الجواسيس التي بدأت تتسلل عبر حدودنا يا سيدتي".

"لمن بعت نظارة تحديد الرؤية التي أعطوك إياها على بوابة المدينة؟"

"يقال بأنه كسرها يا سيدتي ويقال أيضاً…"

"إذن!"

أشارت الصبية بإبهامها إلى الأسفل، ودوَّت طبول الإعدام. رمقته الجلادة العجوز  بنظرة شبقة. تكسرت أنفاسها الحامضة على عنقه الغض. حاول التملص. سمرته أيد فولاذية إلى الأرض، حشرته في كيس خيش. عبأت الكيس بالجير الخام وأخاطته.

وبينما كان سيف يحدق في الأفق جُعِلت الأنشوطة حول عنقه وركلته قدم موتورة فسقط في نهر الدم ومات شنقاً وغرقاً وحرقاً!

**

بين الغمام كان سيف يحلق بسهولة دون عون الخيرقان. وكان الخيرقان يحوم حوله بصمت حزين.

"لطالما عبرت عن توقك للانعتاق يا خيرقان. امضِ أنت حر"

دفن الخيرقان وجهه في غابة صدره وحرك شفتيه الكبيرتين:

"أشدُّ ما يحيرني يا سيدي هذه الأنهار تتدفق دماً بدلاً من الماء!"

همس سيف بصوت عميق:

"في مثل هذه الأرض يا خيرقان، حيث الأيدي تعتقل والآذان تتجسس وتتضخم والأقدام تركل والعيون تراقب، لا بدّ أن يكون الغذاء هو الدم!"

قال الشرطي بجفاف:

"اتبعني!"

اجتازا عدة ممرات. لم يسترعيا انتباه أحد. صرخ أحد المساجين من خلف قضبان زنزانته. زجره العريف. وصلا غرفة المقابلة. قال العريف البدين بازدراء:

"ادخل. هناك زائر يريدك"

واجه سيف صديقه ابراهيم. كانا قد تخاصما منذ سنة تقريباً وانقطعا عن بعضهما. تقدم ابراهيم فاتحاً ذراعيه مبتسماً بود. تردد سيف قليلاً، ثم عانق ابراهيم وأخذ ينشج بصمت.

                                                        دمشق – شباط 1974

هم يبتسمون أيضاً

قصة: حسن م. يوسف

 

 

 

-    1 –

 

حينما انقلبت ألواح الساعة الكهربائية المشعة، ارتفعت ستائر غرفة السيد صمدي مزقزقةً كخليط طيور ثرثارة. تهافتت أشعة الشمس إلى الغرفة ممزوجةً بموسيقا تهاتدت من أزهار بخور مريم كبيرة منشورة في جوانب الغرفة.

 

فتح السيد صمدي عينيه قليلاً فبدا له مضيق البوسفور على مرآة السقف المائلة عملاقاً أزرق تحبو فوقه الهوام الخشبية والدمى البشرية فلا يحس بها ويتابع نومه مطمئناً على مفرق القارتين كقاطع طريق مخمور. تمطى السيد صمدي في سريره الوثير الناعم وهمَّ  بتغطية رأسه طلباً للنوم لكن صوتاً أليفاً هامساً بلغة تركية ركيكة تدفق عبر مكبرات الصوت المخفية في الأزهار.

 

"صباح الخير يا حبيبي، إنها العاشرة"

رد التحية بتذمر:

"صباح الخير يا حبيبتي. كيف الحال في برلين؟"

تمعن في صورتها التي تطل عبر شاشة الهاتف التلفزيوني وقال في سره: "يجب أن أكون في غاية السعادة مع زوجة كهذه".

عاد الصوت تصاحبه نظرة عتاب وتأنيب:

"انهض يا كسول كل شيء جاهز. أمرت الإنسان الآلي بتجهيز الفطور. حرارة الحليب خمس وخمسون درجة. لا تحرق شفتيك!"

تأفف السيد صمدي، مد يده إلى لوحة أزرارٍ على يسار السرير تبرز منها رؤوس حيوانات صغيرة ملونة.

ضغط على رأس فيل أبيض فانشقَّ الجدار المقابل عن إنسان آلي دلف إلى الغرفة يدفع صينية فضية عليها أواني خزفية يتصاعد البخار من بعضها.

ارتفع الربع الأخير من السرير دافعاً ظهر السيد صمدي إلى الأمام برفق. مد يده إلى السخانة الكهربائية رفع منها قطعة توست مقمرة وغطاها بقشرة من الزبدة ثم بطبقة من مربى الكرز وضعها على محرمة بيضاء وضغط على رأس أفعى في مجموعة الأزرار فانفتحت كوة خلفه امتدت منها ذراع مفصلية بخوذة صفراء احتوت رأس السيد صمدي، وعندما سمع السيد صمدي أزيز الخوذة تنفس بارتياح واستدار ليتابع طعام الإفطار.

 

عندما فرغ السيد صمدي من إفطاره ضغط على زر أحمر في اللوحة فعادت الصينية إلى مكانها وارتفعت الذراع بنفس الميكانيكية الرقيقة الصامتة بعد أن سرَّحت شعر السيد صمدي بإتقان. ضغط السيد صمدي  على رأس كركدنّ فاندفع النصف الأول من السرير واختفى في الجدار كاشفاً عن سجادة حمراء ما أن وطئها السيد صمدي حتى حملته برفق عبر الجدران التي تنشق أمامه إلى الحمام، حيث تتداخل الأضواء الملونة مبدعةً أشكالاً هندسية ساحرة على أنغام الموسيقا المرهفة. وقبل أن تنفلت الجدران استدار باتجاه الإنسان الآلي وقال:

"احجز لي بطاقة بالقطار الذري. يجب أن أكون في برلين هذا المساء."

-    2 –

لغط مفتاح ثقيل في شدق الباب العلوي. تدحرجت الخطوات الثقيلة على الدرج. ارتطم مفتاح في قفل القاووش. تلمَّس الثقب. اهتدى. طق.. طق.. طق.. فتح الباب. أغلق بعنف. صمت… اقتربت الخطوات.. اقتربت، وعندما استقرت، انسحقت عيو المساجين على ثقوب الزنزانات لترى على من رَسَتِ الدائرة.

فتحت نافذة المراقبة. تكسر صوت المصباح الأصفر على الجدران الرطبة الخشنة. دوى صوت الرجل:

-    "رقم 113!"

-    "….."

-    "يا رقم 113 أنت يا…"

انتفض السيد صمدي. أجاب بلهجة نعسى.

-    حاضر سيدي.. يالله.. هه.. حاضر"

-    انهض يا زفت!

هب السيد صمدي واقفاً بينما كان المفتاح يسحب لسان القفل. فتح الباب وصافح ضوء المصباح وجه صمدي الفاقع الصفار وتجاوزه إلى الجدران، فهرولت الجرذان البدينة نحو فتحة المرحاض بانتظار انقشاع الضوء كي تواصل تنقيبها عن بقايا الطعام تحت رأس السيد صمدي.

-    اتبعني!

حدق السيد صمدي في وجه الرجل وما أن تبيَّن ملامحه حتى همس بهلع:

"تحقيق؟!"

انطلق الرجل يضرب الأرض الإسمنتية بحذائه الثقيل. تبعه السيد صمدي ككلب عجوز. صعدا الدرج، انحرفا إلى الممر المفضي إلى البهو حيث غرفة التحقيق. عند نهاية البهو، قبل الوصول، أدرك السيد صمدي من خلال أوراق اللوز المهترئة أن الصيف قد انتهى وأن الخريف في طريقه إلى النهاية.

أنزل عينيه من فوق عينيه الحمراوين ورفع رأسه كي يقرأ السماء، لكن دفعة عنيفة ألقت به على أرض غرفة التحقيق. رفع رأسه. رطمته نظرة احتقار من عيني نفس الرجل الجالس على نفس الكرسي خلف نفس المكتب العريض بجوار مدفأة حطب عملاقة تثرثر لهباً. تدلت شفة صمدي من تحت شاربه الأشعث فبدت زرقاء رقيقة كشفة ِ طفل حديث الولادة.

حكّ الرجل السيد ذقنه بخنصره وأطلق نفساً من سيجارته:

-    ما اسمك؟

بدأت كرة الآلة الكاتبة تدحرجها على الورق.

-    صمدي حكمت يا سيدي.

-    ماذا تعمل يا صفدي؟

-    صمدي يا سيدي.. صمدي.

-    لا فرق. ماذا تعمل؟

-    أستاذاً مساعداً في كلية الإلكترون في جامعة استنبول يا سيدي.

-    جميل.. منذ متى؟

-    شهران فقط يا سيدي قبل مجيئي إلى هنا.

-    ومنذ وصولك بدأتَ؟! لا.. نشيط!

-    ماذا يا سيدي؟

-    سيدك! يبدو أنكم تصبحون كلاباً بعد أول سوط… طيب. متزوج؟

-    نعم يا سيدي.

-    ما اسم زوجتك؟

-    كاترين هانز كونراد.

-    آ… أجنبية!

-    ألمانية يا سيدي.

-    كل هذا غير مهم.. فلندخل في لب الموضوع. اعرض له الصور مرة أخرى.

برز خلف السيد صمدي رجل يرتدي سترة سوداء. أسدل الستائر ثم جلس إلى طاولة عليها فانوس سحري. انطفأ الضوء.

-    انظر جيداً.

ظهرت على الشاشة صورة جانبية مهزوزة عليها ختم لشاب طويل الشعر.. صورة أمامية واضحة وصورة جانبية أخرى لنفس الشاب. صورة لمجموعة شباب يسيرون في شارع. في أعلاها سهم يشير إلى رأس الشخص الشاب. صورة أخرى واضحة لمجموعة شباب يهتفون على شرفة كسر زجاجها، علقت عليها لافتة بيضوية كتب عليها بالإنكليزية (سفارة الولايات المتحدة الأمريكية) وسهم يشير إلى رأس الشاب نفسه. رفعت الستائر وأنيرت الغرفة.

-    إنه رفيقك. كان معك في نفس الجامعة. هل تعرفه؟

-    أعرفه يا سيدي.

-    غاية في الجودة! قل لي الآن، ماذا تعرف عن القنبلة الموقوتة التي وضعت تحت مدخل السفارة الأمريكية في أول أيار الماضي؟

-    لا أعرف أي شيء يا سيدي.

-    سيد صفدي، فكر قليلاً. إن غضبي يكلفك كثيراً! كن عاقلاً واعترف. لا مجال للنكران. لقد وجدنا في بيتك بطاقة عضوية بمنظمة تحرير فلسطين وكتباً كثيرة ممنوعة. وأنا لا أشكّ بأنك من جيش التحرير التركي، فأرِحْنا.

-    سيدي، أقسم برأس طفلي بأنني كنت في برلين طوال تلك الفترة.

-    نفس الكلام. لم يستفد من الدرس. سأريك أيها الكلب! جربوا الفئران المكسيكية!

-    سيدي! أرجوك! لا! لا! لا!

لكن السيد لا يسمع. بل يغادر الغرفة بخطوات آمرة كي يقرأ تقارير أخوته في إسرائيل، البرازيل، بوليفيا، بورتوريكو، جنوب كوريا، موزامبيق، أرتيريا، إيرلندة، إيران، زمبابوي، روديسيا، جنوب أفريقيا، تشيلي، و…و,,, وهذا كثير! كثير!

-    فك أزرار سرواله!

وعُرِّي السيد صمدي.. دفعوه للجلوس في هيكل خشبي. قاوم.. أطبقت على كتفيه أربعة أيد ضخمة طوته بين أضلاع الهيكل بحيث صارت ذقنه على ركبتيه. أحس بحماوة يدٍ إنسانية.. أحس بأنفاس ساخنة تتكسر على إليتيه.. ارتعدت أوصاله.. انفتحت عيناه الحمراوان إلى أقصاهما.. وعندما أحس بالفأر المكسيكي الدقيق الأملس يغرز مخالبه في قولونه صاعداً إلى أمعائه، طافت من فوق جدران السجن الشائكة الشاهقة صرخة مروعة تلاشت في هدير السيارات الملونة التي كانت تنهب شارع البوسفور متجاوزةً قبابه البديعة ومآذنه السامقة.

– 3 -

-    سيدي! يقول لك الجنرال "شويك شافر" إنه يريد نتيجة التحقيق حالاً. فقد اختطف السفير وفجرت السفارة.

-    طيب، ماذا؟ السفير؟ السفلة؟ أنعِشوه فوراً!

هز السيد صمدي رأسه المبلل، فتح عينيه الزائغتين فانهارتا تحت نظرات الرجل السيد.

-    أنا لا أمزح! رأيت؟ تكلمْ، قل أين صديقك؟

كشر السيد صمدي عن أسنانه، كور جسده المرتجف، انتفض كأفعى شق جوفها بسكين. تشنجت عضلات وجهه الدقيق الشاحب:

-    قل من وضع القنبلة؟ أين يختبئ؟ من صنعها؟

ارتجّ جسده، خار كالثور الذبيح.

-    أنا صنعتها! أنا وضعتها! أنا فجرتها! أنا.. أنا.. أنا.. أنا.. أنا..!!!!

-    أين يختبئون؟ أين هم رفاقك؟

-    أنا! أنا! أنا! أنا! أنا!

-    للمرة الأخيرة، أين هم رفاقك، أين يختبئون؟

-    أنا! أنا! أنا! أنا! أنا أنا! أنا!

-    ابن العاهرة! افعلوا به!

أذناب… أيد… وخوَخَةٌ… أذناب… أيد…

ويلييييييييي!!

أيدٍ … أيدٍ … أنفاس… وخوخة… أيد.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. خمسة.. أزرق.. أزرق.. أسود.. أسـ… أسـ .. أسـ ..

-    أخ يا أمي!

في تلك اللحظة فرك الرجل المرتدي السواد يديه. تناول كتاب جغرافيا مرمي في زاوية الغرفة. اقتطع خارطة العالم وسار نحو المرحاض يصفر بمرح.

– 4 -

-    رقم 113

-    حا.. حاضر سيدي.

-    قم!.

نهض السيد صمدي وهو يرتعش.. رفع سرواله الذي يكبل ساقيه. خرج محني الرأس وتبع أقدام الرجل. وصلا نهاية البهو حيث غرفة التحقيق. توقف صمدي بآلية وتابع الرجل سيره باتجاه غرفة المدير. وعندما التفت إلى الخلف فوجئ إذ لم يجد السيد صمدي فعاد جرياً من حيث جاء. وجد السيد صمدي منتظراً أمام باب غرفة التحقيق. صرخ به:

-    يا ابن الـ… محترمة! ألم أقل لك اتبعني؟

-    هاه.. إيه.. إيه. أمرك سيدي. هه.

 

- 5 -

في غرفة مدير السجن دعي السيد صمدي للجلوس لأول مرة فأطاع.

سلمت إليه محفظته وربطات حذائه وولاعته. وضعها في جيبه دون اهتمام. ربت مدير السجن بود على كتف السيد صمدي فأجفل. قال مدير السجن مخاطباً السيد صمدي بلهجة صديقة وهو يشيعه إلى الباب:

-    سيد صمدي. لا بأس.. لا بأس.. نحن آسفون.. لقد أمرني رؤسائي بالاعتذار منك. نحن آسفون.. لقد أمرني رؤسائي بالاعتذار منك. نحن آسفون جداً، أرجو أن تقبل اعتذارنا! أعدك بأننا سنعاقب من كان سبب الخطأ. لكن… أرجو أن تقول لمن يسألك أنك كنت في السينما أو أي مكان آخر. هذا لصالحك!

أغلق الباب الحديدي خلف السيد صمدي. وجد نفسه في شارع فرعي صامت. كان الليل مهيمناً فلم يستقبل السيد صمدي إلا الكلاب والقطط وحارس الليل.

أدى التحية العسكرية عندما حاذى الحارس، وعندما واجه السماء أطلق ضحكة هستريائية طويلة وأخذ يوَخْوِخ ويتعصَّر. سقطَ. وبينما كان أذان الفجر يرتفع من مآذن عديدة، كان صمدي يتدحرج بسرعة متزايدة في الشارع المنحدر.

                                        دمشق - آذار 1974

 

مكتوم
 
قصة: حسن م. يوسف
 
*إلى جميع المكتومين في سورية والعالم
 
"عاصمة أوربية مكونة من ثمانية أحرف" ذلك ما كان يبحث عنه الضابط المسؤول عن الهجرة والجوازات على الحدود السورية اللبنانية في ذلك الصباح من عام 1968 عندما رنّ جرس الهاتف في غرفته. بعد ثلاث رنات رفع السماعة ببطء:
"إي.. إي.. إي.. إي.. هاته لشوف"!
بعد قليل قرع الباب فقال الضابط دون أن يرفع رأسه عن الجريدة: "ادخل"
أُدخِل إلى الغرفة شيخ نحيل قصير القامة محني الظهر يناهز الستين من العمر، ودخل خلفه مساعد بدين بطين خبَطَ الأرض بقدمه اليمنى صائحاً: "احترامي سيدي!"
أجفَل الشيخ من تحية المساعد فابتعد عنه خطوة أخرى ووقف زاماً رقبته بمسكنة أصيلة لا ادِّعاء فيها.
كبح الضابط ضحكته ثم رفع حاجباً وخفض آخر كعادته عندما يريد إرهاب المتَّهم قبل بدء التحقيق معه. تناول البطاقة من يد المساعد الممدودة، نظر فيها فارتسمت علائم الدهشة على وجهه. نظر إلى الرجل الواقف أمامه كابحاً ضحكته مرة أخرى. قال بجدية مهزوزة كما لو أن شخصاً ما يدغدغه من تحت مكتبه: "هالهوية الشخصية لمين؟"
لوى الرجل النحيل الضئيل عنقه قائلاً بصوتٍ نحيل يتخلَّله اللهاث والتمطُّق واضعاً يده اليمنى على صدره: "هي هويتي سيدنا"
أفلتت ضحكة مقتضبة من الضابط حاول تمويهها وتمريرها على شكل نحنحة. نظر إلى وجه الشيخ ففوجئ بعينيه النزيهتين اللتين ذكَّرَتاه بعيني ابنة أخيه الصغيرة ألما التي يحبها كثيراً. قلب بطاقة الهوية باتجاه الشيخ مشيراً إلى صورة ملصقة عليها لرجل أصلع كبير الرأس ثخين العنق ضخم الجثة:
"هذي صورة مين؟"
أجاب الشيخ باطمئنان وود:
"يا سيدنا من ايم السعادة هي صورة خيِّي عبود"!
قال الضابط بهدوء:
"طيب وأنت وين هويتك؟"
ارتبك العجوز النحيل كما لو أنه استغرب ذلك السؤال.
"هي هويتي معك يا سيدنا"!
نظر الضابط إلى المساعد كما لو أنه يطلب منه أن يعينه على الفهم، ثم أشار له بالانصراف.
"طيب يا عم، إذا كانت هي هويتك، فكيف انحَطَّت صورة أخيك عليها؟"
هز الشيخ رأسه قائلاً بإخلاص:
"هي قصة شرحها طويل يا سيدنا، إلهي يطوِّل عمرك!"
مسح الضابط وجهه براحة يده اليسرى كما لو أنه يريد إزالة الابتسامة عنه:
"إي شرِّفْ احكِ لشوف! تُهمَتهك خطيرة فيها خمس ست سنين حبس على أقل تقدير"!
نقز الشيخ عندما ورد ذكر الحبس:
"وليش الشدة يا رسول الله؟"
عاد ظل الابتسامة على وجه الضابط. قال كما لو أنه يخاطب ابنة أخيه ألما:
"احكِ لشوف. كيف انحَطّت صورة أخيك على هويتك؟"
قال الشيخ ببراءة:
"حطوها بالنفوس".
شعر الضابط بالاستفزاز قليلاً وكاد يشرع في إفهام الشيخ قيمة الوقت لكن ذلك البريق الطفولي النزيه الذي يشعُّ من عينيه جعل الضابط يهدأ من جديد.
"طيب أنت شو اسمك؟"
"اسمي سليمان سلوم وبينادوني المعلول"
نظر الضابط إلى بطاقة الهوية ثم قال كما لو أنه لم يعد يفهم شيئاً:
"هون مكتوب عبود سلوم.. يعني لا الاسم اسمَك ولا الصورة صورتَك! فكيف تدَّعي أن الهوية هويتك؟"
رد الشيخ كما لو أنه يأخذ الضابط على قدر عقله:
"يا سيدنا سمِّ بالرحمن. جاييك بالكلام…"
وعند هذا الحد انتبه الشيخ لوجود كرسي خيرزان بجوار المكتب فسحبه وجلس عليه وتابع كلامه كما لو أنه لم يفعل شيئاً.
كاد الضابط أن يصرخ بالشيخ كي يقوم عن الكرسي إلا أن الرجل تابع الكلام ببساطة وإخلاص:
"يا سيدنا أنا لما خلقت…"
انفجر الضابط بالضحكة التي حبسها منذ أول اللقاء. قال عبر الضحك:
"انشاء الله ناوي تحكي لي قصتك من يوم ما خلقت؟!"
نقز الشيخ كما لو أن كرامته قد جرحت:
"أنت سألتني وأنا عم جاوبك".
قال الضابط بشيء من الحزم:
"احكِ دوغري. لازم تفهم أن وقت الحكومة حقه مصاري.. هي الهوية لمين؟"
أجاب الشيخ ببراءة وهدوء:
"قلت لك أنها لي".
صاح الضابط بحدة:
"كيف بتكون لك وعليها صورة واحد غيرك؟"
رد الشيخ بجدية وبراءة:
"يا سيدنا هي صورة أخي ما واحد غريب"
هنا اختلج وجه الضابط كما لو أنه أدرك شيئاً ما. قال محاولاً كتم غيظه: يعني الهوية لأخيك.
"أي نعم كانت لأخي بس من سنتين صارت لي."نطَّ الضابط عن كرسيه كما لو أن أحداً ما نخزه بدبوس.
"نعم؟ وكيف صارت لك؟"
رد الشيخ بنفس الجدية والبراءة: يا سيدنا أنا لما خلقت…
ضرب الضابط رأسه بيده صائحاً: رجع يحكي لي عن لما خلق!
نظر الشيخ إلى الضابط باستغراب كما لو أنه مجنون ثم تابع وهو يزن كلماته:
"يا سيدنا بترجَّاك كامل الرجا ما تاخد على كلامي. أنا ختيار.. حكياتي على قدّ عقلاتي.."
تنهَّد الضابط قائلاً: احكِ لشوف آخرتها معك..
قال الشيخ وهو ينظر إلى الضابط بارتياب: "هي يا سيدنا أنا لما خلقت، كانت صحتي محروفة.."
غطى الضابط وجهه بيديه لإخفاء ضحكته، فتابع الشيخ:
"قامت أمي، الله يرحمها ويرحم أمواتك، قالت لأبي، الله يرحمه ويرحم أمواتك، أن لا يسجلني في النفوس لأني معلول ورح موت بين يوم والتاني، قمت ما متت! وهيك عشت طول عمري مكتوم ما معي هوية."
أبعد الضابط يديه عن وجهه فبدا محتقناً بالدم من شدة الضحك. شرب كأس الماء الموضوع أمامه ثم قال محاولاً استعادة لهجته الجدية: طيب قل لي كيف صارت الهوية لك؟!
تابع الشيخ الكلام بنفس اللهجة السابقة:
"يا سيدنا… من سنتين أعطاك خيي عبود عمره. والمسكين كان مثلي بدون ولد ولا تَلَد. فصار كل شيء له، لي.. بيته وأرضه وتيابه وكل أغراضه ومن جملتها هويته. وأنا طول عمري يا محترم مشتاق شوف لبنان وبلاد الشمال، فحملت حالي وجيت لأني صار معي هوية. فيها شي؟"
نظر الضابط إلى الشيخ غير مصدِّق لما يسمع ويرى. قال مبتسماً: ما فيها إلاّ انتحال شخصية!
تابع الشيخ كما لو أنّ كلام الضابط لم يعنِ أي شيء بالنسبة له:
"إي هاه مرحوم والدَك! فَهِّمْهُم أنه ما فيها شيء. والله العظيم مشتاق كتير شوف لبنان…!"
سحب الضابط درج مكتبه العلوي، أخرج منه علبة (ساريدون). قذف حبة منها في فمه وكرع خلفها ما تبقَّى في الكأس من ماء. وعندما أعاد رأسه إلى وضعه الطبيعي فوجئ بالشيخ يمدّ له يده قائلاً:
"إذا تكرَّمت.. أعطني واحدة."
فوجئ الضابط بطلب الشيخ. قال: معقول أنك بتعرف ليش بياخدوا هالدوا؟!
ابتسم الشيخ بسذاجة وقال:
"لا وحقّ خالق الخلق.. عمري ماشفته. بس عهد الله ما في علّة بالأرض إلا ولها نصيب عندي. لهيك إلا ما يصيب."
أطلق الضابط ضحكة طويلة نقية. نظر إلى الشيخ بودّ كما لو أنه ينظر إلى طفل شقي، ثم قال له وهو يضغط الجرس: معقول بعد في متلَك بهالدنيا..؟!
ابتسم الشيخ وقال بارتباك: أي نعم.
شرح الضابط للشيخ أنه لا يحقّ له أن يحمل هوية شقيقه وإلاّ اعتبر ذلك تزويراً وانتحال شخصية. وهاتان جريمتان في نظر القانون يُعاقَب مرتكبهما بالحبس. شحب وجه الشيخ ولم يقل شيئاً. خبط المساعد الأرض برجليه مؤدِّياً التحية فأجفل الشيخ منه. قال المساعد: بنعمل له مَحْضَر وبنرَحّله سيدي؟
حوَّل الضابط نظره إلى الشيخ: معك إجرة الطريق؟
غمغم الشيخ بصوت متلجلج: من فَضْل خيرَك.
التفت الضابط نحو المساعد قائلاً: رجِّعُه لطرطوس بأوَّل سيارة عابرة ونبِّه السائق ما ياخد منه. مفهوم؟
خبط المساعد الأرض بقدمه: حاضر سيدي.
التفت الشيخ نحو الضابط قائلاً: ما فيك تدَبِّرها… هالمرَّة بس والله..
قاطعه الضابط قائلاً بجدية يخالطها حزن: روح عمي روح… الله معك.
سحب المساعد الشيخ من يده وأمام المكتب قال له بلهجة مؤنِّبة: احمدْ ربَّك أنّ معلمنا كان رايق وإلاّ قسماً عظماً كنت تَخَّيْت في الحبس.