هم
يبتسمون أيضاً
قصة: حسن م. يوسف
-
1 –
حينما
انقلبت ألواح الساعة الكهربائية المشعة، ارتفعت ستائر غرفة السيد صمدي مزقزقةً
كخليط طيور ثرثارة. تهافتت أشعة الشمس إلى الغرفة ممزوجةً بموسيقا تهاتدت من
أزهار بخور مريم كبيرة منشورة في جوانب الغرفة.
فتح
السيد صمدي عينيه قليلاً فبدا له مضيق البوسفور على مرآة السقف المائلة عملاقاً
أزرق تحبو فوقه الهوام الخشبية والدمى البشرية فلا يحس بها ويتابع نومه مطمئناً
على مفرق القارتين كقاطع طريق مخمور. تمطى السيد صمدي في سريره الوثير الناعم
وهمَّ بتغطية رأسه طلباً للنوم لكن صوتاً أليفاً هامساً بلغة تركية ركيكة تدفق
عبر مكبرات الصوت المخفية في الأزهار.
"صباح
الخير يا حبيبي، إنها العاشرة"
رد
التحية بتذمر:
"صباح
الخير يا حبيبتي. كيف الحال في برلين؟"
تمعن في
صورتها التي تطل عبر شاشة الهاتف التلفزيوني وقال في سره: "يجب أن أكون في غاية
السعادة مع زوجة كهذه".
عاد
الصوت تصاحبه نظرة عتاب وتأنيب:
"انهض
يا كسول كل شيء جاهز. أمرت الإنسان الآلي بتجهيز الفطور. حرارة الحليب خمس
وخمسون درجة. لا تحرق شفتيك!"
تأفف
السيد صمدي، مد يده إلى لوحة أزرارٍ على يسار السرير تبرز منها رؤوس حيوانات
صغيرة ملونة.
ضغط على
رأس فيل أبيض فانشقَّ الجدار المقابل عن إنسان آلي دلف إلى الغرفة يدفع صينية
فضية عليها أواني خزفية يتصاعد البخار من بعضها.
ارتفع
الربع الأخير من السرير دافعاً ظهر السيد صمدي إلى الأمام برفق. مد يده إلى
السخانة الكهربائية رفع منها قطعة توست مقمرة وغطاها بقشرة من الزبدة ثم بطبقة
من مربى الكرز وضعها على محرمة بيضاء وضغط على رأس أفعى في مجموعة الأزرار
فانفتحت كوة خلفه امتدت منها ذراع مفصلية بخوذة صفراء احتوت رأس السيد صمدي،
وعندما سمع السيد صمدي أزيز الخوذة تنفس بارتياح واستدار ليتابع طعام الإفطار.
عندما
فرغ السيد صمدي من إفطاره ضغط على زر أحمر في اللوحة فعادت الصينية إلى مكانها
وارتفعت الذراع بنفس الميكانيكية الرقيقة الصامتة بعد أن سرَّحت شعر السيد صمدي
بإتقان. ضغط السيد صمدي على رأس كركدنّ فاندفع النصف الأول من السرير واختفى
في الجدار كاشفاً عن سجادة حمراء ما أن وطئها السيد صمدي حتى حملته برفق عبر
الجدران التي تنشق أمامه إلى الحمام، حيث تتداخل الأضواء الملونة مبدعةً
أشكالاً هندسية ساحرة على أنغام الموسيقا المرهفة. وقبل أن تنفلت الجدران
استدار باتجاه الإنسان الآلي وقال:
"احجز
لي بطاقة بالقطار الذري. يجب أن أكون في برلين هذا المساء."
-
2 –
لغط
مفتاح ثقيل في شدق الباب العلوي. تدحرجت الخطوات الثقيلة على الدرج. ارتطم
مفتاح في قفل القاووش. تلمَّس الثقب. اهتدى. طق.. طق.. طق.. فتح الباب. أغلق
بعنف. صمت… اقتربت الخطوات.. اقتربت، وعندما استقرت، انسحقت عيو المساجين على
ثقوب الزنزانات لترى على من رَسَتِ الدائرة.
فتحت
نافذة المراقبة. تكسر صوت المصباح الأصفر على الجدران الرطبة الخشنة. دوى صوت
الرجل:
-
"رقم 113!"
-
"….."
-
"يا رقم 113 أنت يا…"
انتفض
السيد صمدي. أجاب بلهجة نعسى.
-
حاضر سيدي.. يالله.. هه.. حاضر"
-
انهض يا زفت!
هب
السيد صمدي واقفاً بينما كان المفتاح يسحب لسان القفل. فتح الباب وصافح ضوء
المصباح وجه صمدي الفاقع الصفار وتجاوزه إلى الجدران، فهرولت الجرذان البدينة
نحو فتحة المرحاض بانتظار انقشاع الضوء كي تواصل تنقيبها عن بقايا الطعام تحت
رأس السيد صمدي.
-
اتبعني!
حدق
السيد صمدي في وجه الرجل وما أن تبيَّن ملامحه حتى همس بهلع:
"تحقيق؟!"
انطلق
الرجل يضرب الأرض الإسمنتية بحذائه الثقيل. تبعه السيد صمدي ككلب عجوز. صعدا
الدرج، انحرفا إلى الممر المفضي إلى البهو حيث غرفة التحقيق. عند نهاية البهو،
قبل الوصول، أدرك السيد صمدي من خلال أوراق اللوز المهترئة أن الصيف قد انتهى
وأن الخريف في طريقه إلى النهاية.
أنزل
عينيه من فوق عينيه الحمراوين ورفع رأسه كي يقرأ السماء، لكن دفعة عنيفة ألقت
به على أرض غرفة التحقيق. رفع رأسه. رطمته نظرة احتقار من عيني نفس الرجل
الجالس على نفس الكرسي خلف نفس المكتب العريض بجوار مدفأة حطب عملاقة تثرثر
لهباً. تدلت شفة صمدي من تحت شاربه الأشعث فبدت زرقاء رقيقة كشفة ِ طفل حديث
الولادة.
حكّ
الرجل السيد ذقنه بخنصره وأطلق نفساً من سيجارته:
-
ما اسمك؟
بدأت
كرة الآلة الكاتبة تدحرجها على الورق.
-
صمدي حكمت يا سيدي.
-
ماذا تعمل يا صفدي؟
-
صمدي يا سيدي.. صمدي.
-
لا فرق. ماذا تعمل؟
-
أستاذاً مساعداً في كلية الإلكترون في جامعة استنبول يا سيدي.
-
جميل.. منذ متى؟
-
شهران فقط يا سيدي قبل مجيئي إلى هنا.
-
ومنذ وصولك بدأتَ؟! لا.. نشيط!
-
ماذا يا سيدي؟
-
سيدك! يبدو أنكم تصبحون كلاباً بعد أول سوط… طيب. متزوج؟
-
نعم يا سيدي.
-
ما اسم زوجتك؟
-
كاترين هانز كونراد.
-
آ… أجنبية!
-
ألمانية يا سيدي.
-
كل هذا غير مهم.. فلندخل في لب الموضوع. اعرض له الصور مرة أخرى.
برز خلف
السيد صمدي رجل يرتدي سترة سوداء. أسدل الستائر ثم جلس إلى طاولة عليها فانوس
سحري. انطفأ الضوء.
-
انظر جيداً.
ظهرت
على الشاشة صورة جانبية مهزوزة عليها ختم لشاب طويل الشعر.. صورة أمامية واضحة
وصورة جانبية أخرى لنفس الشاب. صورة لمجموعة شباب يسيرون في شارع. في أعلاها
سهم يشير إلى رأس الشخص الشاب. صورة أخرى واضحة لمجموعة شباب يهتفون على شرفة
كسر زجاجها، علقت عليها لافتة بيضوية كتب عليها بالإنكليزية (سفارة الولايات
المتحدة الأمريكية) وسهم يشير إلى رأس الشاب نفسه. رفعت الستائر وأنيرت الغرفة.
-
إنه رفيقك. كان معك في نفس الجامعة. هل تعرفه؟
-
أعرفه يا سيدي.
-
غاية في الجودة! قل لي الآن، ماذا تعرف عن القنبلة الموقوتة التي وضعت تحت مدخل
السفارة الأمريكية في أول أيار الماضي؟
-
لا أعرف أي شيء يا سيدي.
-
سيد صفدي، فكر قليلاً. إن غضبي يكلفك كثيراً! كن عاقلاً واعترف. لا مجال
للنكران. لقد وجدنا في بيتك بطاقة عضوية بمنظمة تحرير فلسطين وكتباً كثيرة
ممنوعة. وأنا لا أشكّ بأنك من جيش التحرير التركي، فأرِحْنا.
-
سيدي، أقسم برأس طفلي بأنني كنت في برلين طوال تلك الفترة.
-
نفس الكلام. لم يستفد من الدرس. سأريك أيها الكلب! جربوا الفئران المكسيكية!
-
سيدي! أرجوك! لا! لا! لا!
لكن
السيد لا يسمع. بل يغادر الغرفة بخطوات آمرة كي يقرأ تقارير أخوته في إسرائيل،
البرازيل، بوليفيا، بورتوريكو، جنوب كوريا، موزامبيق، أرتيريا، إيرلندة، إيران،
زمبابوي، روديسيا، جنوب أفريقيا، تشيلي، و…و,,, وهذا كثير! كثير!
-
فك أزرار سرواله!
وعُرِّي
السيد صمدي.. دفعوه للجلوس في هيكل خشبي. قاوم.. أطبقت على كتفيه أربعة أيد
ضخمة طوته بين أضلاع الهيكل بحيث صارت ذقنه على ركبتيه. أحس بحماوة يدٍ
إنسانية.. أحس بأنفاس ساخنة تتكسر على إليتيه.. ارتعدت أوصاله.. انفتحت عيناه
الحمراوان إلى أقصاهما.. وعندما أحس بالفأر المكسيكي الدقيق الأملس يغرز مخالبه
في قولونه صاعداً إلى أمعائه، طافت من فوق جدران السجن الشائكة الشاهقة صرخة
مروعة تلاشت في هدير السيارات الملونة التي كانت تنهب شارع البوسفور متجاوزةً
قبابه البديعة ومآذنه السامقة.
– 3 -
-
سيدي! يقول لك الجنرال "شويك شافر" إنه يريد نتيجة التحقيق حالاً. فقد اختطف
السفير وفجرت السفارة.
-
طيب، ماذا؟ السفير؟ السفلة؟ أنعِشوه فوراً!
هز
السيد صمدي رأسه المبلل، فتح عينيه الزائغتين فانهارتا تحت نظرات الرجل السيد.
-
أنا لا أمزح! رأيت؟ تكلمْ، قل أين صديقك؟
كشر
السيد صمدي عن أسنانه، كور جسده المرتجف، انتفض كأفعى شق جوفها بسكين. تشنجت
عضلات وجهه الدقيق الشاحب:
-
قل من وضع القنبلة؟ أين يختبئ؟ من صنعها؟
ارتجّ
جسده، خار كالثور الذبيح.
-
أنا صنعتها! أنا وضعتها! أنا فجرتها! أنا.. أنا.. أنا.. أنا.. أنا..!!!!
-
أين يختبئون؟ أين هم رفاقك؟
-
أنا! أنا! أنا! أنا! أنا!
-
للمرة الأخيرة، أين هم رفاقك، أين يختبئون؟
-
أنا! أنا! أنا! أنا! أنا أنا! أنا!
-
ابن العاهرة! افعلوا به!
أذناب…
أيد… وخوَخَةٌ… أذناب… أيد…
ويلييييييييي!!
أيدٍ …
أيدٍ … أنفاس… وخوخة… أيد.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. خمسة.. أزرق..
أزرق.. أسود.. أسـ… أسـ .. أسـ ..
-
أخ يا أمي!
في تلك
اللحظة فرك الرجل المرتدي السواد يديه. تناول كتاب جغرافيا مرمي في زاوية
الغرفة. اقتطع خارطة العالم وسار نحو المرحاض يصفر بمرح.
– 4 -
-
رقم 113
-
حا.. حاضر سيدي.
-
قم!.
نهض
السيد صمدي وهو يرتعش.. رفع سرواله الذي يكبل ساقيه. خرج محني الرأس وتبع أقدام
الرجل. وصلا نهاية البهو حيث غرفة التحقيق. توقف صمدي بآلية وتابع الرجل سيره
باتجاه غرفة المدير. وعندما التفت إلى الخلف فوجئ إذ لم يجد السيد صمدي فعاد
جرياً من حيث جاء. وجد السيد صمدي منتظراً أمام باب غرفة التحقيق. صرخ به:
-
يا ابن الـ… محترمة! ألم أقل لك اتبعني؟
-
هاه.. إيه.. إيه. أمرك سيدي. هه.
- 5 -
في غرفة
مدير السجن دعي السيد صمدي للجلوس لأول مرة فأطاع.
سلمت
إليه محفظته وربطات حذائه وولاعته. وضعها في جيبه دون اهتمام. ربت مدير السجن
بود على كتف السيد صمدي فأجفل. قال مدير السجن مخاطباً السيد صمدي بلهجة صديقة
وهو يشيعه إلى الباب:
-
سيد صمدي. لا بأس.. لا بأس.. نحن آسفون.. لقد أمرني رؤسائي بالاعتذار منك. نحن
آسفون.. لقد أمرني رؤسائي بالاعتذار منك. نحن آسفون جداً، أرجو أن تقبل
اعتذارنا! أعدك بأننا سنعاقب من كان سبب الخطأ. لكن… أرجو أن تقول لمن يسألك
أنك كنت في السينما أو أي مكان آخر. هذا لصالحك!
أغلق
الباب الحديدي خلف السيد صمدي. وجد نفسه في شارع فرعي صامت. كان الليل مهيمناً
فلم يستقبل السيد صمدي إلا الكلاب والقطط وحارس الليل.
أدى
التحية العسكرية عندما حاذى الحارس، وعندما واجه السماء أطلق ضحكة هستريائية
طويلة وأخذ يوَخْوِخ ويتعصَّر. سقطَ. وبينما كان أذان الفجر يرتفع من مآذن
عديدة، كان صمدي يتدحرج بسرعة متزايدة في الشارع المنحدر.
دمشق - آذار 1974