Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

( الآنسة صبحا)
قصص بقلم : حسن م. يوسف
صدرت لأول مرة عن دار الينابيع -دمشق 1993
الإهداء: إلى قتيلَيْ الضيق، فواز الساجر وسعيد مراد
المحتويات:
1-حدائق العمر ...بكياً
2-أين أنت الآن أيها الضابط
3-سليم يطلب القسمة
4-الضيق
5-خفستان في الرأس
6-الآنسة صبحا
7-مكتوم
8-ست المطر
9-السَّهِّيرة
10-يا...مدير

 


 

حدائق العمر.. بكياً

قصة: حسن م. يوسف

لأول مرة منذ تسع سنوات يخرج سامي الجراح إلى الشارع بربطة عنق مرخية بعض الشيء. وجهه – وجه المدير المرسوم بدقة– لا يزال محافظاً على إيحاءاته بالذكاء والرضى والقوة والثقة بالنفس، تلك الإيحاءات التي مرَّن نفسَهُ عليها أمام المرآة قبل حوالى ربع قرن ومارسها باستمرار حتى ترسّخت في وجهه كقناع تحت الجلد. لكن من يعرف سامي الجراح حق المعرفة يستطيع أن يدرك من همود عينيه أن ذلك الوجه يخفي خلفه روحاً تتمزق.

قال للسائق بلهجته المدروسة التي هي مزيج من الحزم واللطف:

"أبو حسين.. صف السيارة قدام البيت. طالع على بالي أتمشَّى…"

"بأمرك أستاذ"

مشى خطوة. دقر. صعد إلى السيارة بجوار السائق. قال دون أن ينظر إليه:

"حطني على جسر فكتوريا"

مشى على الرصيف المحاذي للنهر. رأسه ممسوح بأضواء مبهرة تأكل ملامح ذاكرته وجسده ثقيل فيه خدر وطنين. نظر إلى النهر الذي أعادت له سيول الربيع العكرة شيئاً من شبابه، لكنه لم يكن يرى سوى الأضواء المشتعلة في رأسه.

اخترقت ثيابه نسمة باردة، فخفتت الأضواء وبرز من تحتها وجهها – وجه مها – أبيض كما لو أنه مطلي بالكريما، ثم ذاب.

تلاشت الأضواء المبهرة في رأسه وخفَتَ الطنين الغامض في خلايا جسده فتحفّزت حواسُهُ بتسارع شديد وصفَتْ حتى صارت تلتقط الأشياء بوضوح أليم: تحزيق حبات الرمل بين نعله والبلاط

… ضجيجي الشارع.. نقطة الصدأ القرمزية في حاجز النهر… عفونة بردى التي لم تستطع سيول الشتاء تبديدها… طعم لعابه المز المقبض… اهتزاز الشعيرات السود على قفا يديه الحليبيَّتين المتأرجحتين في النسيم البارد.

انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتنتهي بوجهها – وجه مها – يقفز إليه من قلب الدائرة الأخيرة، يرجُّه بقوة، كحجرٍ يرتدُّ إلى يد راميه.

هزَّ رأسه شاهقاً كمن تلقّى في وجهه رشقة ماء.

أزاح وجهها – وجه مها – وانكفأ إلى الداخل.

(لا شيء سوى الماء… الصور والأفكار التي أمضيت عمراً في صقلها ذابت كقلاع مبنية من رقاقات الجليد الهش… لا تخذلني يا عقلي… ساعدني أرجوك).

أزاح وجهها – وجه مها – مغمغماً بصوت مسموع:

"لازم أعرف. لازم أفهم، وإلاّ…"

(يوم اصطدمت مع عبد المعين رئيس قسم العملات الأجنبية، تهرَّب جميع رؤساء الأقسام الأخرى من قبولها بحجة سوء طباعها فعيّنتُها مطرح سكرتيرتي التي سافرت مع زوجها إلى الخليج من باب قبول التحدي.)

بعد عشرة أيام دخل صديقي الصحفي محمود إلى مكتبي وقال مشيراً برأسه إلى الخارج "إيه التحفة دي"، فاكتشفتُ أنني لا أذكر ملامحها تماماً لأنني أحترم شغلي من جهة ولأنني تعمّدت أن

 أكون جافاً معها بشكل خاص حتى لا تتمدمد معي، فالإشاعات تقول إنها فقعت عبد المعين كفَّاً سُمع حتى آخر الممشى.

في ذلك اليوم، لست متأكداً من أنها أسقطت المقلمة عن طرف مكتبي قصداً، لكنني في ذلك اليوم فوجئت بشفتيها الشهيتين كحبتي كرز وبعينيها الغامضتين اللتين تطلان على أنوثة طاغية.

ابتسمت لها كما لطفلة شقية، بدت لي كذلك في ضوء النهار المتسرب عبر الستارة الزهر. ردت الابتسامة ثم قرفصت تجمع الأقلام، في عينيها ملعنة وفي التفاتتها مهرة.

حين طلبت منها لفّ شعرها الطويل المنسدل لأن جماله يشتت انتباه المراجعين، تعثّرتْ بالطربيزة لكثرة ارتباكها ثم نترت رأسها بحيوية إلى اليسار والخلف مبعدةً غرتها لتراني بكلتا عينيها.

بعد يومين قررتُ، لسببٍ أعرفه الآن، الحضور مساءً إلى المصرف لإنجاز المعاملات المتراكمة. في ذلك اليوم أمرت أبو حسين أن يوصلها بسيارتي وفي اليوم التالي أوصلتها أنا.

كنت أعمل بإنتاجية عالية، وكان إعجابها بي يزداد وضوح

اً. "لو كل الناس اشتغلوا مثلك كنا بألف خير" بعد أسبوعين صارحتني أنني صرت مثلها الأعلى في العمل، وتأسفت لأنها لن تستطيع

 المجيء بعد الظهر لأن أمها سافرت مع أبيها إلى البلد وهي مضطرة أن تطبخ لأخوتها.

لم تناقشني حين رفضتُ اعتذارها… سأطبخ لهم في الليل.

حينما دعوتها للغداء، شهقت مندهشة لكنها لم تتردد في قبول دعوتي. وحينما خيَّرتُها بين المطعم والبيت اختارت البيت.

 

أدهشها ترتيب بيتي وازدادت دهشتها عندما علمت أنني أفعل كل شيء بنفسي

.. طبخ، مسح، جلي، تعزيل.. وحينما أخبرتها أن الطعام جاهز من البارحة زعقت بابتهاج وتعلقت بعنقي ترفس الهواء وتقبلني وأنا مندهش وراضٍ كأب.

لم تصدق أنني أجيد الطهي إلى هذا الحد فجعلتني أقسم رماراً على أنني طبخت الطعام بنفسي.اعتذرت منها لأنني تعودت أخذ كأسٍ من النبيذ مع الغذاء، فرمقتني بنظرو مواربة معيدةً الماء الذي سكبته لها إلى

 الإبريق. ملأت الكأس نبيذاً ثم رفعته… بصحتك. انتقل النبيذ إلى خديها بسرعة مدهشة وأخذت تضحك بسعادة ساحرة.

بعد الغداء عانقتني من الخلف طويلاً. أحضرت لها قلماً وورقة.

 طلبت منها أن ترسم لي أفعى لأختبر موقفها اللاشعوري مني. رسمت خطاً طويلاً بطول الصفحة وهي تضحك. شرحت لها أن علماء النفس يقولون إن المرأة عندما ترسم للرجل أفعى مستقيمة فذلك يعني أنها ترغب في النوم معه.

خبطت ركبتيها ضاحكةً بصخب حتى بانت لهاتها. حملتها عن

 الكرسي إلى غرفة النوم وأسكتُّها بفقبلة عميقة استعدتُ خلالها بعضاً من النبيذ الذي شربته.

أيقظني أذان المغرب. لبست منامتي وردائي ورحت إلى المطبخ أصنع القهوة. أردت أن أناديها كي تتبعني إلى غرفة الجلوس فاكتشفت أنني نسيت اسمها. دخلت غرفة النوم ففوجئت بها تستعرض جسدها

الجميل الرشيق أمام مرآة الخزانة الطويلة. كانت منعطفات وحنايا جسدها البض تعكس الضوء وتمتصه برهافة. التفتت نحوي مبتسمةً بينما كان نظري معلقاً بحلمة نهدها الوردية المحاطة بهالة خفيفة السمرة. فسجلت ذاكرتي الالتفاتة العذبة وأخذت تكررها عندما أريد وعندما لا أريد.

هكذا دخلت حياتي كالسيل الجارف وقد أخافني ذلك، فهدأت الجو قليلاً. وعندما بدأت أشعر أن البيت دونها موحش وبارد، انعكسَ منطق الأمور. صارت هي الهادئة المتزنة، وصرت أنا العاشق الأرعن.

ربما بدأ التحول يوم سافرت إلى البلد لأرى أمي. يومها استغلت فرصة سفري.. أعادت ترتيب البيت على مزاجها. عندما رجعت لم أعرف البيت. أزعجني مزاجها الفوضوي فقررت أن ألقّنها درساً في الأصول.

سألتني وعيناها تلمعان حماساً عما إذا كنت قد مرررت على البيت، فقلت لها إنني قد وصلت لتوي. فركت يديها بشقاوة. "عملت لك مفاجأة تجنن". وقد كانت المفاجأة الأكبر عندما رأت أنني قد أعدت كل شيء

 إلى مكانه القديم. رمت نفسها على الكنبة. وبعد لحظات من الصمت اكتشفتُ أنها كانت تبكي..

أفهمتها أنني اخترت أماكن اللوحات والأشياء وقطع الأثاث بعد دراسة دقيقة

 لألوانها وحجومها وأجوائها ولمساحة البيت، وأعطيت كل شيء مجاله الحيوي في ضوء الانسجام الكلي للأشياء.

نظرت إليّ بعيني حزينتين وقد ساحَ الكحل تحت جفنيها "صحيح ترتيبك

 للبيت ممتاز لكن التغيير ضروري". أفهمتها بهدوء أن التغيير ضروري فعلاً وأنني أحترم التغيير وأريد أن أغيّر لكن التغيير يجب أن يكون نحو الأفضل لا نحو الأسوأ وإلاّ كان مجرد كلام فارغ. ابتسمت لها

 مصالحاً ومددت يدي لأداعب خدها وأمسح الدموع عنه، فنترت رأسها بنزق مخفيةً دمعةً جديدة، ثم مشت مطقطقةً بكعبيها وخبطت الباب دون أن تقول شيئاً.

جن جنوني.. سأقبل طلب استقالتها الذي احتفظتُ به.. وإلى جهنم وبئس المصير. دهشتُ لأنها أغضبتني فأنا عادةً لا أغضب لأن الغضب برأيي من سمات الحمقى.. من يغضب يبدد طاقته في الهواء

 وأنا عوَّدتُ نفسي على أن أتحكم بغضبي وأن أضعه في خدمتي كي لا أجد نفسي خادماً له. هكذا كنت أعتقد حتى الآن على الأقل… لكنها أغضبتني، مع ذلك التسريح غير الضروري، فأنا لست ممن يسيؤون

 السلطات الممنوحة لهم. هاهي تلتفت عاريةً أمام المرآة، تبتسم لي كلها.. تحبني.. تحبني بالتأكيد.. التسريح فكرة سخيفة.. يكفيها عقوبة أن أرى فيلم "حب لا ينتهي" بمفردي بعد أن طلبت مني مراراً أن أصحبها إليه.

 فاجأني الشبه الكبير بينها وبين بروك شيلدز بطلة الفيلم. أثناء العرض استعدت تفاصيلها على شاشتي الخاصة.. انعكس الضوء على كتفها العاري وهي نائمة. بدا أحلى منه على كتف بروك شيلدز. وكذلك ابتسامتها أحلى.

"شكراً يا آنسة لأنك اقترحت عليّ مشاهدة فيلم حب لا ينتهي، فيلم ممتاز. هل تعلمين أنه من إخراج زفريللي صاحب فيلم روميو وجولييت؟ صدقاً كنت أتمنى لو شفناه سوا.. لكن خيرها بغيرها".

كنتُ أتوقع أن تبكي على كتفي كالعادة فأصالحها وينتهي الأمر. وكنت

واثقاً من أن ذلك سيحدث لدرجة أنني أرسلت أبو حسين ليحجز لي محلين

 على نفس الفيلم في حفلة الساعة السادسة. لكنها نظرت إليّ ببرود وقالت لي: شكراً أستاذ. وصارت تعاملني بشكل رسمي وتحكي معي بلهجة سخيفة باردة. نعم أستاذ.. حاضر أستاذ.. تفضّل أستاذ.. حتى كدتُ أصرخ

 في وجهها طز فيك وفي الأستاذ. لكنني لم أفعل بفضل تمريناتي المستمرة على التحكم بطاقة الغضب فأنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكون أحمق من الآخرين. وأنا لا أطيق الأشخاص الذين يمضون وقتهم

 في ارتكاب الحماقات والاعتذار عنها. الإنسان ما يستطيع. وأنا عوّدتُ نفسي

 دائماً على أن أستطيع ما أريد. أريد.. لكن البيت موحش وبارد.. من تظن نفسها؟ مجرد سكرتيرة تساوي نكلة.. لكن الأسبوع الماضي كان أطول أسبوع في حياتي بعد الأسبوع الذي خسرت فيه سها حبي الأول.

انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق لتنتهي بوجهها – وجه سها – سها المهرة التي كانت تلوي عنق الشارع حين تمر. وجه يقطر عذوبةً وسلاماً داخلياً يؤطره زغب مرهف من ذهب.. عينان غامضتان تموران بألق الأحلام. صدر يناطح الريح وقامة ممشوقة تلائم ذوق يوجين ديلاكروا.

رأى نفسه ممسكاً يدها على سكة قطار الزبداني ونسائم الخريف تدفع الأوراق الساقطة للعق أقدامهما. سمع صوته يغني لها: سها يا سها… يا ريم مها… تختال بَها.. القلب لها… سها يا سها.

في البداية لم تستلطفني لأن وسطي أعرض من كتفي على حد قولها لكن نوطاتي كانت الأفضل في صفنا. فأخذت تستعيرها بانتظام. وكنت أكتب لها مقاطع من شعري على الهوامش. في المرات الأولى تجاهلت الأمر، وعندما كتبت لها سها يا سها.. يا ريم مها.. تختال بها.. القلب لها، سألتني عن اسم الشاعر فعرَّفتُها بنفسي. قالت شكلك ليس شكل شاعر… ومنذ ذلك اليوم ترافقْنا. بعد العطلة الانتصافية قلت لها إنني اشتقتُ لها، فاحمرّ وجهها.

 قرأت لها شعر الشوق الذي كتبته عنها ولها فنظرت إليّ بدفء ولم تقل شيئاً ثم أحبتني. كنت أرضى بشيء من الاهتمام فقط. لكنها أحبتني وبقوة أخافتني.. أخافتني لأنني لا أحب العواطف القوية ولا أطيق الرجال الذين ينبطحون تحت أقدام النساء بحجة الحب. فقد علمتني أمي أن الأذكياء لا يقترفون هذه الحماقات وربَّتْني على احتقار أبي لأنه كان رجلاً أحمق هجرنا ورحل بعيداً ليرتمي تحت أقدام امرأة غريبة.. وأنا أقدّس أمي.. أقدِّسها دون حدود.. لأنها ضحت بحياتها كي تقوم بواجبها نحونا وتعلمنا كيف نقوم بواججباتنا تجاه الآخرين. وأنا لم أقصر بواجبي أبداً وإضبارتي تشهد بذلك. ففي الوزارة يسمونني "رجل الواجب".

كنت أحب أن أمشي معها أمام الناس لأرى نظرات الحسد في عيونهم

. مرة سألتني: "لماذا تكثر حوادث السير في الشوارع التي أمشي فيها؟". ففقعت ضحكةً ولم أجب. ومرة أمسكتني في الشارع أمام الناس وسألتني والدموع في عينيها عما إذا كنت أحبها بالفعل.. لم تصدقني

.. كانت تريد مني أن أحبها بجنون وأنا رجل عاقل لا أحب العواطف القوية.

بعدها صارت تصرفاتها غير مفهومة. تنظر إليّ بعينين مليئتين بالعتاب ثم تنهمر بالبكاء، مما جعلني أنفر منها.. فاختفت فجأةً دون كلمة واحدة. بعد شهرين.. وجدتها تنتظرني على باب غرفتي. كان

 وجهها النضر المشدود قد بهت قليلاً كما ظهرت عقدة صغيرة بين حاجبيها. قالت إنها جاءت تودّعني لأنها مسافرة مع زوجها إلى الجزائر. لم أفهم لماذا قطعت دراستها فجأةً لتتزوج، ولم أفهم لماذا وضعت

 رأسها على كتفي وأخذت تنشج بمرارة، ولا لماذا توسَّلَت إليّ، كرمى لها، أن أراجع طبيباً نفسانياً..

مرة أخرى انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتقف عند وجه فتون ابنة الخمسة عشر عاماً التي أرسلتها أمها إليه ليساعدها في حل وظيفة الرياضيات

 كما يليق به كجار محترم، سُمْعتُهُ مثل المسك، كي تجد هي مبرراً لزيارته.

لم أشعر بالارتياح التام مع أي أنثى في حياتي عداها. كنت

 أجلسها في حضني وأحكي لها عن أحدث المخترعات وأهم الأفكار الجديدة المطروحة في الدنيا. كانت تنظر إليّ بعينين ملؤهما الإعجاب والحب. وذات يوم قال لي: "أنت أهم إنسان

 بالنسبة لي.. أنت أستاذي طول العمر.. منك سمعت لأول مرة عن الهندسة الجينية والـ دي ان إي.. والسيبرنتيك.. عندك سمعت كارمن ومنك استعرت أحلى الكتب الملائمة لسني ومعك شفت

 أحلى الأفلام.. وما شعرت بالأسف لحظة واحدة لأنني نمت معك وأعطيتك نفسي.. أبداً.. أنت حبيبي.. لكن خلص.. ما عدت قادرة أشوفك. أرجوك افهمني.. لما أكون معك أحس كأني جوَّا قاعة

كبيرة كبيرة.. فيها شباك واحد في السقف وما فيها ولا كرسي ولا سرير ولا طاولة ولا نار.. معك أحس أني بردانة وأنا ما أحب البرد.."

نفض رأسه كمن تلقى لتوِّه رشقة ماء. فرك وجهه الشاحب. نظر إلى بردى الذي يتدفق مياهاً ربيعية عكرة. شعر بألم  أسفل حجابه الحاجز وشحب لونه. فتح فمه رافعاً حاجبه الأيسر كما لو أنه على وشك أن يتقيأ.

مرة أخرى انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتقف عند سها ثم فتون ثم مها.. فرك جبينه ضاغطاً على صدغيه بعنف. لكن الدوائر تتالت ومن قلب الدائرة الأخيرة قفز وجهها – وجه مها -  ليرجَّه بقوة كحجر يرتد إلى يد راميه.

"لم أعد أطيق العيش بعيداً عنها ولم أعد أستطيع احتمال أسلوبها

 الجاف في التعامل معي، فقررت أن أصارحها بنواياي إزاءها. طلبت منها البقاء بعد انتهاء الدوام. قلت لها إنها أذكى وأجمل فتاة تعرفت عليها، وأنني بفضلها بدأتُ أفكر لأول مرة في حياتي بالزواج.

 قالت بصوت خفيض وقد ترقرقت الدموع في عينيها: لو سمعت

 منك هذا الكلام قبل خمسة شهور كنت قلبت الدنيا من الفرح. كنت بوَّستُك من رأسك لأخمص قدميك.. وكنت أعطيتك عمري غير نادمة. إن شاء الله تبصق فيه وترميه بالزبالة. لكنك كنت تتلذذ بشوفتي

وأنا أتعذب.. كنت تتلذذ بذلي.. لما اشتهيت أشوف فيلم سينما اخترعت ألف سبب حتى لا تروح معي، وبعدها رحت شفت الفيلم وحدك. لما كنت أطبخ لك، وأنا أطبخ بشكل جيد على فكرة، كنت تبرم

 بوزك وتقول لي: إحم.. إحم.. يعني لا بأس. لما كنت أحب أن أسمع موسيقا كنت حضرتك تحب الهدوء ولما أطلب لحظة هدوء تصير الموسيقى بالنسبة لك غذاء الروح.

تذكر يوم السهرة في بيت عاطف بيك الزفت؟ يومها انزعجت حضرتك لأن الجميع اعتررفوا أن وجهة نظري بأحداث المخيمات صحيحة. فكبرت الشغلة براسك.. قمت حولت النقاش لمجالك المفضل الموسيقى

 ولما جاريتك وحكيت كلمتين عن الأغنية السياسية، افتعلت خلافاً معي لتمسح بي الأرض بكل لطف وهدوء وتهذيب وترتيب. لكني قطعت عليك الطريق لما اعترفت مسبقاً أن بعض الأغاني السياسية

 ذات مستوى فني سيء. يومها شفتك على حقيقتك كأن ستارة رفعت عن عيني. فقررت معالجتك على طريقتي.

تذكر يوم فتحنا موضوع صديقك اسماعيل.. قلت لك طوِّل بالك لأن حديثك فيه ظلم للرجل، فاحمرّ وجهك وقلت لي كلام بلا معنى، فقلت لك من باب لفّ الموضوع "على كل حال هذه

 وجهة نظرك" فصحتَ في وجهي: "لا، هذه وجهة نظرك أنت كمان". يومها ضحكت حتى شبعت لأنك طلعت تعرف وجهة نظري أكثر مني. بلا طول سيرة أنا كنت متأكدة تماماً أنك

 لا بد تفاتحني بهذا الموضوع، إذا ما كان اليوم فبكرة. تريد تتزوجني.. آ؟‍ على أي شيء؟ حتى تذلّني وتمرمطني؟ لا وحياة عيونك ما حزرت.. اسمع يا سامي الجراح‍ شهور وأنا أنتظر هاللحظة

. إذا كنت أنت كومة عقد فما لك دواء غيري. اسمع، أنا أرفض طلبك للزواج مني بكل احتقار وأنا واثقة أنه من سابع المستحيلات أن أندم عليك.. لأنك مثل الدودة الوحيدة عندك اكتفاء ذاتي في

 الجنس وفي كل شيء. أنت أفضل طباخ وأفضل مدير وأفضل سمّيع موسيقى وأفضل مواطن نموذجي. من أسبوع رأيتك تفرغ نفَّاضة سجائر السيارة في حاوية القمامة وتنظر حولك طلباً للإعجاب.

. أنت يخزي العين كامل مكمَّل لا تحتاج أي إنسان ومن لا يحتاج الناس… لا أحد يحتاجه..

على فكرة، أنت عاجز عن الحب، وفوق هالشي أنت في الفراش خروف.. تنام مع حالك مثل الدودة الوحيدة تماماً وحتى لا تفكر تبتزّني سجلت طلب استقالتي بالديوان… بخاطرك‍

فوجئ بيد تلمس كتفه. التفت فإذا بشاب سوداني يسأله عن تاريخ اليوم. نظر إلى ساعته بارتباك. قال هازاً رأسه بشرود "أربعة نيسان".

حلّ ربطة عنقه أكثر. فرك وجهه الشاحب بكلتا يديه. دقر في المسير لحظة كمن اكتشف شيئاَ. قال بصوت مسموع "يالله"

التفت الشاب السوداني إليه طناً منه أنه يكلمه.."نعم؟"

لكن الأضواء المبهرة كانت قد اشتعلت في رأس سامي الجراح من جديد وعاود الطنين الغامض خلايا جسده، فقد اكتشف في تلك اللحظة أن عيد ميلاده الأربعين كان أول البارحة وقد مرّ دون أن ينتبه أحد إليه. رغم أن سامي تعود أن يقيم حفلة طنانة بهذه المناسبة كل عام.. شعر أنه مهان. تذكر كلمات مها "من لا يحتاج الناس… لا أحد يحتاجه".

انتشرت ذاكرته على سطح حياته في دوائر خاطفة أخذت تضيق وتضيق. توقف عند اسماعيل الذي لم يعد يحكي معه منذ سنوات بسبب اختلاف في الرأي هو في جوهره صراع مصالح. توقف عند صديق

 عمره سليم الذي كان يتبارى معه في الأعمال الجيدة عندما كانا ولدين صغيرين. تذكر كيف فكَّرا بتشجير مدخل الحارة وكيف راحا إلى المشتل البلدي وأحضرا عشرين غرسة زرعاها معاً وحرساها بصداقتهما

، وها أي ذي الغرسات أصبحت أشجاراً كبيرة بينما صداقتهما أصبحت

 ذكرى، بسبب نادرة. لم يصدق سليم كلام نادرة في البداية. قال لها إن سامي صديق عمره وإنها تتوهم. فسامي يغازل كل السيدات لأنه "جنتل مان" يريدهن أن يشعرن أنهن مرغوبات. لكن نادرة راهنت

 سليم على أن تجعل سامي يمشي أمامها على أربعة ويماعي مثل الباشا في فيلم شفيقة القبطية.. وكسبت نادرة الرهان.

فكّ ياقة قميصه البيضاء راخياً ربطة عنقه أكثر كما لو أنه يعاني صعوبة في التنفس.

رأى شاباً وفتاة يتضاحكان بصفاء على الرصيف المقابل لناذي الضباط. كان الشارع خالياً من المشاة عداه. رأى يد الشاب تقترب بتردد وحرص شديدين من يد الفتاة ثم تمسكها بنهم.

تذكر دونما سبب كيف رمى حلق أمه الذهبي في البالوعة عندما كان في الصف الثالث الابتدائي. رآها بعينيها المذعورتين وشفتيها الجافتين تقول له هازةً يديها بسكون مذعور. أنت لازم تكون

 مرتب ومهذب ولطيف ولازم تطلع الأول دائماً حتى تكون محبوباً ومحترماً من الناس. شعر لأول مرة في حياته منذ أربعين عاماً أنه يكرهها.. يكرهها..

رأى وجه سها وهي تقترح عليه مراجعة طبيب نفساني، فشعر بكرهه لأمه يزداد.. رأى مديره السابق يربت على كتفه.. تعجبني يا جراح، أنت خلقت لتكون موظفاً لأنك مطيع لرؤسائك وحازم مع مرؤوسيك. برافو.

رأى مديره السابق يكبر ليملأ رأسه. شعر أنه خائف - .. خائف من كل شيء.. لأنه يريد أن لا يخطئ. رأى وجه فتون. "معك أحس كأنني جوَّا قاعة كبيرة فيها شباك واحد بالسقف". رأى وجه مها.

"من لا يحتاج الناس لا أحد يحتاجه". رأى عمره يبنى أمامه في

 لحظة واحدة.. ثم ينفرط في دوائر تضيق وتضيق. أخيراً وجد سامي نفسه أمام نفسه طفلاً صغيراً يريد أن يلعب ويتشاقى. لكنه شعر بالعجز التام لأنه محبوس في جثة هذا الرجل الكبير الذي يمشي متثاقلاً على شاطئ نهر بردى.

تلاشت الأضواء المبهرة في رأسه وخفت الطنين الغامض في خلايا جسده فتحفَّزت حواسه وصفيت من جديد حتى صارت تلتقط الأشياء بوضوح مؤلم.

رأى دوائر عمره تنداح الواحدة إثر الأخرى.. شعر أنه وحيد حتى العظم وأنه غريب عن نفسه.

مد الشاب يده مدغدغاً عنق الفتاة فأطلقت ضحكةً عذبة ذكرته بسها.. عندئذٍ شهق سامي مطلقاً صوتاً طويلاً حاداً يشبه عواء ذئب يختنق، ثم استند إلى الحاجز وأخذ ينشج بمرارة ساكباً كل دموعه المؤجلة دفعة واحدة.

                                           كانون الثاني – شباط 1988

 

 

 

 

 

أين أنت الآن أيها الضابط؟

قصة: حسن م. يوسف

* إلى وليد معماري

 

أطل رئيس قسم المنوعات الثقافية في جريدة "النصر" برأسه الأجلح

عبر نافذة مكتبه المفتوحة على قاعة المحررين. تنحنح بقصد

 لفت انتباه الشخص الوحيد الموجود فيها. وعندما التقت عيناهما قال:

"اتصل رئيس التحرير وقال إن زاوية (بالمقلوب) لازم تكون بكرة عن عيد الجلاء".

أغلق النافذة كعادته عندما يبلِّغ أحد المحررين أمراً لا يحتمل النقاش

. حملق الصحفي سمير طارق برئيس قسمه القابع خلف النافذة المغلقة

 فأصرّ على تجاهله. نقَّل بصره بين الورقة المكتوبة حتى منتصفها وبين

الشوارع المغمورة بالشمس النيسانية الدافئة… "راح المشوار عالصغار"!. مرر أصابعه عبر شعره

 الذي وخطه الشيب ثم أسند رأسه بكلتا يده مطلقاً تنهيدة تحولت إلى تنفيخة يمتزج فيها نفاذ الصبر بالأسى.

لم يفاجأ، فهذا الأمر يتكرر منذ سنوات في جميع المناسبات. رغم ذلك شعر بالسخط القديم

 يتململ في داخله فهو لم يتعود أن يتلقى هذا النوع من الأوامر دونما احتجاج

 تنفيذاً لوصية صديقه الأمريكي الشاعر والت وايتمان. مرت قصيدة وايتمان

عبر رأسه بهدوء، كما في كل اللحظات الحرجة التي مر بها منذ سنوات:

 

إلى الولايات

إلى كل واحدة منها وكل مدينة فيها

قاومي كثيراً وأطيعي قليلاً

لأن أية ولاية أو أمة أو مدينة

تطيع طاعة عمياء

لن تستعيد حريتها بعد ذلك أبداً.

 

دفع باب رئيس القسم قائلاً بسخط:

"أي متى الله رح يتوب علينا من هالعادة؟ شرِّفْ قل لي إيش ممكن أكتب

 في زاوية ساخرة مثل (بالمقلوب) عن مناسبة وطنية مقدسة مثل عيد الجلاء؟"

هز رئيس القسم كتفيه قائلاً بتعاطف صادق:

"والله العظيم يا أستاذ سمير أنا مقتنع معك وباصِم لك بالعَشَرة ورئيس

 التحرير مقتنع كمان… لكن دق المي وهيي مي!.. على كل حال ما ضروري

 هالزاوية تكون ساخرة وتطالع الزير من البير.. اكتب لك كم جملة عاطفية بأسلوبك الأدبي الحلو.. وكفى الله المؤمنين شر القتال"

نقز الصحفي سمير طارق كما لو أن كرامته قد مُسَّت. قال باستخفاف:

"قصدك أكتب إنشاء مثل غيري وأحكي عن الأبطال الذين استشهدوا [ليعلِّموا

 الطيور والبلابل أغاني العشق الأبدي للوطن والحرية].. لا يا أستاذ.. أنا لو

 أردت أن أكذب وأكتب مثل هالحكي السطحي الرَّخو ما كنت بقيت شقفة محرر طول عمري.. وأنت أدْرى".

رغم ذلك ذهب سمير طارق إلى الأرشيف علَّهُ يجد في أعداد السنوات

 الماضية فكرةً ما ينطلق منها. إلا أنه خرج بعد نصف ساعة بروح مغلقة

 ويدين مغطاتين بالغبار. في طريقه إلى الخارج توقف رئيس القسم عنده

 لحظة. قال له بلهجة ودودة: "نصيحة، خليك عالخط أحسن ما يجيبوك بنص الليل حتى تكتب زاوية غيرها… خاطرك".

بعد نهاية الدوام خيم السكون على الجريدة ولم يعد يشوشه إلا طنين غامض ينطلق

 من غرفة المصححين الذين يقارنون البروفات مع أصولها: واحد يقرأ والثاني يتتبَّعه.

أسند سمير رأسه بكلتا يديه وشرد في عمره. عاد لأيام ما قبل الجلاء عندما

 كان طالباً في الإعدادية. تذكر المظاهرة الوحيدة التي شارك فيها مع

 زملائه ضد الاحتلال الفرنسي.. رأى نفسه يهتف.. ثم رأى نفسه يعدو

 مع زميله سعيد نحو زقاق الصخر هرباً من رجال الشرطة الذين

 يطاردونهم بالبواريد من شارع بيروت. بدا له المشهد دخانياً وبعيداً

 كأنه لم يحدث يوماً. إلا أن وجه الشرطي الذي انشقت الأرض عنه

 أمامهما كان واضحاً لدرجة أن سمير ما يزال يذكر الشامة السوداء

 الصغيرة عند طرف شاربه الأيمن. أما الضابط الوسيم صاحب العصا

 القصيرة الملفوفة بلسان من الجلد الصقيل، فقد بدا بعيداً في البداية لكنه

 كان حاضراً لدرجة أنه كاد يشم رائحة الكولونيا من بشرته الغضة الحليقة.

مرَّر الصحفي سمير طارق أصابعه عبر شعره الذي تخلله الشيب. تسمَّ

ر لحظةً إذ لمعت الفكرة في رأسه فبرقت عيناه بشدة وبدا وجه ذلك

 الضابط يكبر ويزداد وضوحاً حتى غطى شاشة ذاكرته كلها.

قطَّب جبينه محاولاً إيجاد مدخل للفكرة. انتزع غطاء القلم الناشف. كتب:

"تنام جمرة الجلاء في قلوبنا إذ يهدهدها الزمن، فننساها وقتاً نمضيه

 غرقى في شؤوننا اليومية وشجوننا الشخصية. لكن جمرة الجلاء

 تستيقظ في السابع عشر من كل نيسان تخلع عن نفسها قمصان

 الرماد وتتوهج في قلوبنا لتضيئنا بذكرى شهداء الاستقلال الذين

 ضحوا بأرواحهم في سبيله، وبنضالات الوطنيين الشرفاء الذين

 كافحوا لأجله، فننتبه مجدداً لوجودهم البسيط الحي فينا، كأشقاء للهواء

… الهواء الذي لا يعرف المرء قيمته إلا عندما يعزُّ وجوده".

لمح عاملَ البوفيه يختفي عند نهاية الممر فاستوقفه بصوت مرتفع: "أبو كريم!"

أطلّ أبو كريم بابتسامته العريضة المتهللة: "أمر.. أستاذ؟"

"كأس شاي كبير، الله يخليك"

"من عيوني.."

تابع سمير الكتابة مقطِّباً.

"في ذكرى الجلاء يرى الواحد منا ما تبدَّد من عمره دخاناً وما ترسّخ

 منه في جسد البلاد. يرى جلاءه الخاص به عبر إسهامه الصغير

 في الحياة من حوله. والجلاء بالنسبة لي سماء تحملها قامات

 عاليات… أرى بينها يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش

 وصالح العلي وابراهيم هنانو وحسن الخراط… إلى آخر الأبطال.. لكن جلائي الخاص

 يضم إلى جانب هؤلاء شخصاً آخر قد لا يعرفه أحد منكم. كنت أنحِّيه جانبً كلما كتبت

 عن الجلاء عاماً فعام. وها هوذا الآن يفرض نفسه على قلبي مطالباً بالإنصاف.

في أحد أيام 1945 خرجت مع أبناء صفي في مظاهرة ضد الانتداب وأزلامه

. وبينما نحن نهتف بحماس أطبق علينا رجال الدرك من الأمام والخلف

 فتراجعنا راكضين في طلعة التجهيز. وبما أنني كنت في آخر

 المظاهرة فقد وجدت نفسي في طليعة الهاربين. دخلت أنا وزميلي

 سعيد أبو جناد في زقاق الصخر الموازي لشارع التجهيز. وفي

 منتصف الزقاق خففنا سرعتنا إذ شعرنا بالأمان. وفجأةً انشقت

 الأرض أمامنا عن دركي يوجه بندقيته إلى صدرينا. لحظتها سمعت دقات قلبي وكدت أعملها في بنطلوني.."

حكّ سمير طاطرق رأسه متفكراً. شطب الجملة الأخيرة وتابع الكتابة: ".. أمرنا الشرطي

 برفع أيدينا والاستدارة باتجاه الحائط وعندما انصعنا لأمره سمعته يؤدي

 التحية لشخص ما وسمعت ذلك الشخص يأمرنا بلطف أن ننزل أيدينا.

 استدرنا في نفس الوقت تقريباً، فرأينا ضابطاً برتبة ملازم ينعر

 الدركي بطرف عصاه الملفوفة بلسان من الجلد الأسود ويقول له:

"من كل عقلك ناوي توقفهم ولاه؟ العمى في عيونك هدول شبابنا… عماد الوطن"!

التفت إلينا مغيِّراً لهجته لتصبح أكثر أبوية:

"يالله شباب.. افركوها قبل ما يجي السنغال".

صحيح أنني منذ ذلك اليوم لم أر وجه ذلك الضابط، إلا أنه ما يزال

 واضحاً في قلبي يذكِّرني في كل جلاء أن الاستقلال هو محصلة

 عطاءات كل الوطنيين، وأن بعض الناس أسهموا في صنع

 الاستقلال رغم أنهم كانوا على الطرف الآخر يأتمرون بأمر الانتداب.

والآن بعد اثنتين وأربعين سنة ما أزال أجد ذلك الضابط في قلبي فأهمس في سري: أين أنت الآن أيها الضابط؟"

رسم سمير طارق مربعاً صغيراً في منتصف السطر وكتب اسمه. أعاد قراءة زاويته.

أضاف بعض علامات الترقيم هنا وهناك. رسم مستطيلاً في أعلى

 الصفحة الأولى. كتب عنوان الزاوية داخل المستطيل: "أين أنت

 الآن أيها الضابط؟". مدَّ خطاً من الضلع الأيمن للمستطيل. كتب فوقه (بالمقلوب) وكتب تحته ص 12.

ثم جمع الأوراق بدبوس وأطلق تنهيدة ارتياح.

مرَّ زميله حمد. عندما لاحظ أنه توقف عن الكتابة، دخل مسلِّماً:

"السلام عليكم. شفتك غرقان قلت لحالي اتركه أحسن ما تقطع له سلسلة أفكاره".

ابتسم سمير وهو ينهض:

"أهلاً حمد. كنت رايح لعندك. إن شاء الله معك شي ميتين ليرة؟"

مد حمد يده إلى جيبه. أعطاه ورقتين من فئة المئة ليرة ثم أشار برأسه نحو غرفة رئيس القسم الشاغرة:

"سمعت عياط.. خير؟ شوفيه؟ آ؟"

رد سمير ساخراً وهو يضع المئتي ليرة في جيبه:

"شغلة نايطة. الاسطوانة القديمة إياها".

**

صبيحة اليوم التالي دخل سمير طارق إلى الجريدة بعيد العاشرة. قال لموظف الاستعلامات بجدية:

"أولاً مرحبا. ثانياً تفرّج على طولي! أنا جيت. فلا تقول للناس إني ما جيت، متل كل مرة".

ضحك أبو بديع بحرج:

"أهلاً بالأستاذ! حقُّه! قبل ما أنسى… فيه زلمة ختيار سأل عنك ثلاث مرات اليوم وقال ممكن يرجع".

هز سمير رأسه وهو يصعد الدرج قائلاً دون أن يلتفت:

"إذا رجع دخله دوغري"

فتح الجريدة على الصفحة الأخيرة وأخذ يقرأ زاويته بسرعة ليرى

 ما إذا كان رئيس التحرير قد حذف منها أو أضاف إليها شيئاً.

توقف عند منتصف الزاوية، أخذ آخر رشفة من فنجان القهوة. وبينما كان

 يعيد الفنجان إلى الصحن، دخل الآذن أبو عبدو الذي تعود منذ زمن

 أن ينفث دخان سيجارته أثناء الكلام. قال لاوياً عنقه نحو رجل شيخ يسير خلفه بخطوات قصيرة:

"أستاذ سمير عندك ضيف"

قطع الرجل المسافة بين الباب والمكتب ببطء شديد معطياً سمير طارق الفرصة لتأمله.

كان شيخاً في حدود السبعين، يرتدي طقماً مكحوتاً من الجوخ الإنجليزي القديم

. على أرنبة أنفه نظارتان مستديرتان زجاجهما السميك مغطى بطبقة من القشرة

 والأوساخ وكان يرتدي قبعة باكستانية زورقية الشكل أضفت على وجهه الطولاني

 الضامر لمسة غريبة جعلته يشبه الزعيم الباكستاني الراحل علي جناح.

دفع سمير كرسيه إلى الخلف ناهضاً لملاقاة الرجل. قدم له الكرسي وجلس هو إلى مكتبه

. أسند الرجل عصاه ذات الرأس النحاسي المقوس على شكل رأس نمر إلى طرف المكتب

. بلل شفتيه مبتلعاً لعابه بارتباك. نظر إلى سمير بعينين غائمتين سرق الزمن ألقهما.

قال سمير باحترام:

"تحب قهوة.. شاي.. زهورات.. أو شراب بارد؟…"

رفع الرجل يده اليمنى قائلاً:

"ممنون فضلك"

لاحظ سمير أن الرجل يعاني من ثقل في سمعه. قال بلهجة متعاطفة وهو يطلب رقم البوفيه:

"الزهورات عندنا تمام" 

غيَّرَ لهجته قائلاً في السماعة:

"أبو كريم.. واحد زهورات وواحد قهوة سادة".

أعاد السماعة إلى مكانها ثم رحب بالرجل من جديد ليحثه على الكلام. فرك الرجل يديه المعروقتين مطلقاً تنهيدة مكتومة.

"كل عام وأنتم بخير"!

استغرب سمير تهنئة الرجل له، فالناس لا يتبادلون هذا النوع من العبارات في المناسبات الوطنية. رد:

"وأنتم بخير ياعم.. خير..؟"

قال الرجل بشيء من الحرج:

"خير يصيبكم.. أنا قرأت مقالكم اليوم… الله يعطيكم العافية.."

تناول سمير كأس الماء من صينية عامل البوفيه وكرع نصفها بعد أن ألقى

 في فمه حبتي "أسكربتين" على أمل أن تزيلا الصداع المتخلف من سكرة البارحة

. كان واثقاً أن الرجل ليس من المعجبين بكتابته، إلا أنه لم يستطع تخمين سبب

 زيارته. مرّ أحد زملائه في الكوريدور حاملاً علبة سمنة، فاستوقفه قائلاً بحماس:

"أستاذ علي، رقم 22 في هل سمنة هالمَرَّة؟"

رفع علي حاجبيه علامة النفي، فالتفتَ وقد تذكَّر أنه مرتبط بموعد في قهوة الهافانا بعد نصف ساعة:

"خير يا عم؟ أنا مضطر أمشي بعد عشر دقائق لأني مرتبط بموعد. فقل لي كيف ممكن أساعدك؟"

قال الرجل:

"عدم المؤاخذة.. القصة المذكورة بمقالكم اليوم صارت معكم شخصياً أم أنكم سمعتوها من شخص تاني؟"

رد سمير باستغراب:

"طبعاً صارت معي شخصياً."

قال الرجل وقد تهدَّج صوته:

"وحضرتكم ممكن تتذكروا ذاك الضابط إذا شفتوه؟"

ردّ سمير باستغراب أكبر:

"طبعاً"!

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه الرجل. رفع نظارته المتسخة عن أنفه ونظر إلى سمير والدموع تلمع في عينيه.

لم يفهم شيئاً للوهلة الأولى، لكنه شعر بالقشعريرة تسري في بدنه عندما رأى وجه ذلك الضابط الشاب يطل من تحت وجه هذا الرجل العجوز ذي الوجه الناشف المغطى بالتجاعيد. هبَّ واقفاً. ابتلع لعابه. قال:

"هو… أنت؟"

هز الرجل رأسه بالإيجاب فتقدم سمير منه بحيوية مفاجئة ليمنعه من النهوض، وطبع قبلةً على كتفه الأيمن. حملق سمير بوجه الشيخ المضطرب.

"صحيح جبل بجبل ما بيلتقي، لكن ابن آدم لا بدّ يلتقي! كيف الأحوال؟ والله العظيم أنا ممنون الظروف لأني شفتك.."

شعر سمير بالحيوية كما لو أن الزمن قد عاد به ربع قرن إلى الوراء. قال  الضابط:

"من سنين ما شعرت بالسعادة مثل اليوم.. أنا سعيد ومبسوط لأن نظرتي ما خابت. فأنتم طلعتم عماد الوطن بالفعل".

قال سمير وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حنينية عذبة:

"ليش شو طلع منا غير الخيبات والبلاوي؟"

رد الضابط:

"طلع أنه بعدكم واقفين. غيركم شاف أقل بكتير وما تحمَّل.. على كل حال، هذا حديث يطول. قلت لي أن عندك موعد".

نظر سمير إلى ساعته بلهفة:

"أي والله صحيح. عندي موعد بقهوة الهافانا. فإذا كان طريقك على البلد، شرِّف أوصلك ونحكي أثناء الطريق".

ألقى الضابط نظرة لا شعورية على كأس الزهورات الذي لم يشرب منه إلا رشفة واحدة. قال وهو يتناول عصاه:

"مثل ما تريدوا حضرتكم"

سأل سمير الضابط عن رتبته عند تسريحه، ولما علم أنه كان عميداً قال بودّ:

"سيادة العميد، أنا والله غشيم بلغة التفخيم، فرَيِّحْنا منها الله يخلِّيك"!

انطلقا بسيارة سمير القديمة المستهلكة. قال الضابط:

"زميلك الثاني. وين صارت فيه الأيام؟"

تلكأ سعيد في الجواب لكنه سرعان ما أدرك أن الضابط يعني سعيد

 أبو جناد رفيق مغامرة الهرب من الدرك. قال سمير وفي صوته رنة حزن:

"يا سيدي صار شاعراً ممتازاً. لكنه ظلَّ يحمِّلها حتى طقَّ ومات. الله يرحمه".

تجاوزته سيارة بيضاء عن اليسار ثم قطعت الطريق فجأةً لأن سائقها أراد

 تجاوز سيارة أخرى عن اليمين، فاكتشف وجود حفرة كبيرة أمامه.

 استخدم سمير المكابح بأقصى طاقتها، فعَوَت الدواليب تحته. زمجر ساخطاً:

"كان روَّحْنا ابن الكلبة!"

قال الضابط بعد أن أبدى تعاطفه مع سمير:

"ما تواخذني. الصراحة أنا ما جيت شوفك وبس. الحقيقة عندي مشكلة عويصة

 وعشمي أنك تساعدني بحلّها." ودون استئذان بدأ الضابط يحكي قصته:

"أنا يا حضرة الأستاذ الفاضل… تعرف الإذاعة القديمة بشارع النصر

؟ من أربعبن سنة وأكثر وأنا ساكن بعمارة الحجر اللي بين الإذاعة وقصر العدل

… عِشرة عمر يا محترم.. جاءنا إنذار بالإخلاء من أمانة العاصمة.. ومن ساعتها يا محترم ما نمت ساعة ورا بعضها."

رمق سمير وجه الضابط المتقاعد بنظرة سريعة ثم عاد لمراقبة الطريق. قال:

"القانون يضمن حق المستأجر، وفيه توجيهات واضحة لأمانة العاصمة

 بعدم إخلاء أي مواطن من بيته ولو كان قناً، قبل تأمين سكن بديل له".

شعر سمير بشيء من الحرج لطريقته الحماسية في الكلام. وقد ازداد

 حرجه عندما التفت الضابط إليه محركاً يديه باضطراب: "وهون المشكلة يا محترم".

أوقف سمير سيارته إلى يمين الشارع مقابل ثانوية التجهيز

. نظر نحو زقاق الصخر فرأى البندقية ثم رأى الضابط ينعر الدركي بطرف عصاه. قال:

"أنا موعدي خمس دقائق. فإذا ما كان عندك شغل، تفضَّل

 خدلك فنجان قهوة ريثما أقضي شغلتي، وبعدها ممكن نكمل حديثنا".

قال الضابط بحرج:

"أنا فزعان ضايقكم".

استدار سمير خلف السيارة. لمس الضابط عند أسفل كتفه مادَّاً يده إلى الأمام باحترام وعدم تكلُّف:

"معناها ما عندك شغل… تفضَّل".

نظر الاثنان نحو زقاق الصخر، وعندما تلاقت عيناهما، كانا يبتسمان بودٍّ حميم. قال سمير:

"تعرف يا سيادة العميد. لو ما حضرتك شرَّفت لحظتها، كانت روحي طلعت من تحت أظافري!"

اتسعت ابتسامة الضابط:

"لو ما جيت أنا كان إجا واحد غيري فلَّتكم".

"ممكن. لكن بين ما يجي الترياق من العراق كان الحبيب فارَق… ومن أكل الدبس علق على شواربه.."

مسح سمير وجوه روَّاد الهافانا. ألقى التحية باتجاه إحدى الطاولات. قال للضابط مشيراً إلى طاولة قريبة من الشارع:

"شرِّفوا سيادة العميد"

أعطى بطاقة"أصدقاء الهافانا" لعامل المقهى الذي استقبله بابتسامة ودودةٍ مرحِّبة.

سأل الضابط: "أركيلة؟"

لم يُبدِ الضابط رفضاً ولا موافقة. قال لعامل المقهى:

"نَفَسين أركيلة على ذوقك…"

التفت نحو الضابط: "سيادة العميد، قهوة الاكسبرس هون طيّبة".

أشار الضابط برأسه موافقاً فتابع سمير كلامه…"وفنجانين قهوة اكسبرس وممنونك سلفاً".

تأمّل سمير يدي الضابط المعروقتين الموضوعتين على الطاولة. لاحظ بقع

 الزمن المتريّب فيهما، وصفرة العقد في أصابعه الطويلة المكرنشة. فخيِّل إليه أنه يجالس رجلاً ميتاً.

تابع حركة يده البطيئة وارتجاف شفتيه الجافتين إذ تلتقيان

 عند حافة فنجان القهوة، وتفاحة آدم الضخمة التي

 تصعد ببطء كلما ابتلع شيئاً ثم تعود بسرعة.

 وبينما كان يقارن بين الصورة الماثلة

 أمامه والصورة المحفورة في الذاكرة

، حطَّت يدٌ على كتفه. صعَّد بصره إلى وجه الرجل، وعندما تعرف عليه، نهض بحيوية وتبادل معه العناقات والقبلات.

قال سمير: "أهلاً وسهلاً بـِ أبو صطيف. والله زمان يا رجل"

قال الشخص الآخر:

"ولو يا أبو سمرة.. الكبرة لله ليش ما رديت على رسائلي؟… قسماً عظماً اشتقت لك

. همس في أذن سمير "ولو أنك عبارة عن عرص".قال سمير فارداً يده اليمنى كما لو أنه يتَّقي بها الكلام:

"على مهلك… فيه وقت للخناق".

نظر إليه طولاً وعرضاً ثم قال: "يخرب بيت سنتك صاير مدحلة!"

ربَّت مصطفى على كرشه قائلاً: "أكل ومرعى وكثرة صنعة. والطابق الفوقاني أجَّرته مفروشاً… بسَطَك هالحكي؟"

أشار سمير بعينيه نحو الضابط ثم سأل مصطفى عما إذا كان يذكر قصته هو وسعيد عندما قبض عليهما دركيّ في زقاق الصخر وأطلق سراحهما ضابط شاب. فقال مصطفى: "طبعاً!"

تابع سمير كلامه: "يا سيدي، البارحة تذكرته وكتبت عنه زاوية. وقبل ما أقرأ الزاوية  الصبح، شفته بالجريدة!"

مدّ مصطفى يده ليصافح الضابط ثم هزّ رأسه مكرنشاً ذقنه: "أمّا شيء عجيب!"

التفت سمير نحو الضابط: "سيادة العميد، اسمح لي أن أعرّفك

 على زميل قديم وديق من أيام الجامعة… الأستاذ مصطفى رافع صحفي بارز في جريدة أصداء الخليج"

التفت إلى مصطفى: "قهوة؟"

قال مصطفى بحرج: "حبيبي أبو سمرة. قهوتك مشروبة، ومعي ناس بالسيارة. فقم أحكي لك كلمتين على الطاولة الثانية"

نهض الضابط متثاقلاً، فحلف سمير عليه أن يجلس ثم التفت إلى مصطفى: "إذا كان شغل، فاحكِ أمام سيادة العميد"

قال مصطفى بعد أن ابتلع لعابه:

"كلمة وردّ غطاها: أنت فهمان الموضوع مثلي

 وأكثر مني. Read the editorial to know the master.

وهذه القاعدة تنطبق على كل الصحافة العربية بلا استثناء، لكن بنسَب متفاوتة"

غمزه سمير ممازحاً: "خُشّ في الموضوع"

ابتلع مصطفى لعابه. نظر إلى الضابط ثم قال:

"جريدتنا بحاجة إلى رئيس قسم ثقافي كفء،

 وصاحب الجريدة أعطاني صلاحية الاختيار

، فشفت أن هالشغلة مالها غيرك. صحيح

 أنك سبق ورفضت فكرة العمل في

 الخارج لكني سمعت أن رئيس تحرير جريدتكم حارِق نفسَك وأن وضعك المالي تعبان، وصار

 عندك عيال وهالأشياء كلها جعلتني أتفاءل. شف أخي أبو سمرة، أنا ممكن أقترح لك بحدود 12 ألف درهم بالشه

ر. يعني فوق المية ألف ليرة، غير السيارة والبيت والمكافآت."

صمت مصطفى. مد يده إلى حافظة نقود عليها اسم فندق شيراتون. سحب منها بطاقة مذهَّبة الأطراف مطبوع عليها

 ايمه بحروف نافرة تحت شعار الجريدة التي يعمل فيها. خطَّ رقماً على قفا البطاقة. وضع طرف إبهامه تحتها

 وضغط على منتصفها ثم أفلتها، فأحدثَ صوتاً من النوع الذي يتفنن به لاعبو الورق. قال:

"من يومين اشتريت بيتاً بالمزة فيه تلفون. هذا رقمه. فاتصل بي قبل نهاية الأسبوع، لأني السبت…" أشار

 بيده علامة الطيران. "وأنا عازمَك على الغداء في أي وقت تحدده، ولا تؤاخذني. حالياً مستعجل".

غمزه بعينه اليسرى كي لا يراه الضابط "معي ناس بالسيارة وعندنا حسابات معقّدة". غمزه مرة أخرى "لازم نصفِّيها!"

نهض مصطفى بحيوية لا تنسجم مع صلعته وعمره الخمسيني الذي يبدو واضحاً عليه. قال:

"بانتظار تلفونك.. وإذا يوم فكرت تساعدني بتصفية حساباتي.." غمزه مرة ثالثة "تكون فضَّلت على رأسي.

 أصلاً ممكن تبقى عندي حسابات كثيرة ممكن ما أصفِّيها لضيق الوقت"

حيا العميد على الطريقة العسكرية وقال له بين الجد والمزح:

"الصراحة يا سيادة العميد، موقفك حدد مستقبل الشباب. فلو تركت الشرطي يأخذهم ويعمل لكل واحد