|
|
|
( الآنسة صبحا)
|
![]()
![]()
![]()
قصة: حسن م. يوسف
إلى رجال عصرنا أطفال فلسطين
دفع البقرة من وركها فتنحّت جانباً. نظر إلى التنور عبر لوح الزجاج الوحيد في النافذة التي سُدَّت بقيةُ فتحاتها بِرُقاقاتٍ من الخشب المضغوط . رأى في الوهج الواهن المنبعث من فوهة التنور صورة ظلِّيَّة لعبيدة وهي تحمِّل ابنتها شفيقة طبق الخبز الطازج على رأسها ثم تغطيه بطبق أكبر من القش كي لا يبلله المطر. فرشَخَ كي لا يدوس في روث البقرة. قفز من فوق الصندوق الذي يسدّ الباب بين الغرفتين الترابيتين. تناول المنقل والرفش والصاج وخرج مهرولاً في الدرب الصاعد نحو التنور. وبما أن التنو ر يُبنى عادةً بحيث يكون ظهره للدرب لتوفير الحرج على الخبَّازات ، فقد كان على سليم اليتيم أن يلتفَّ على التنور عبر الدرب الضيق الذي يحاذي جداره الأيمن. وقد فعل ذلك بسرعة خاطفة هرباً من المطر المنهمر بغزارة. لكنه ما أن استدار يريد الدخول حتى رأى أمامه امرأةً نصف عارية تنفض فستانها ولباسها في فوهة التنور ومؤخرتها البيضاء تهتزّ من عزم النفض. سمَّرته المفاجأة إلى أن شعرت المرأة بوجوده. فانفتلت نحوه ساترةً عريها بثيابها وزجرته بصوتٍ خافت خائف: "انقشع من عندك ولاه!" فاختفى بنفس السرعة التي ظهر بها وهو يضحك. كان يعلم أن النساء اللواتي تنتشر البراغيث في بيوتهن بسبب بعر الماعز، ينفضن ثيابهن في التنور ليخلصن من إزعاج البراغيث. لكن الواحدة منهن لم تكن تفعل ذلك إلا حينما تنطرها أخرى. ويبدو أن عبيدة الأربعينية توقعت أن "ينطرها" المطر الغزير الذي لم يتوقف عن الهطول منذ الصباح الباكر. ناسيةً أن سليم ينزح الجمر من التنور كل يوم ليتدفأ عليه. لم يشأ الابتعاد كثيراً رغم شعوره بالحرج ، لأنه لم يكن يريد أن يسبقه أحد لنزح التنور. كان المطر يهطل مائلاً مسحوباً بالريح. فحشر نفسه في دورة جذع التوتة المنخورة التي تتكئ إلى الجدار الخلفي للتنور وتلفه بأغصانها من ثلاث جهات. غير أن رأسه ظل مكشوفاً للمطر. وضع الصاج على رأسه كالقبعة وجلس القرفصاء فبدا كفلاح صيني في أحد حقول الرز. دغدغه إيقاع المطر على الصاج فابتسم. كانت مصابيح الكهرباء القليلة تزيد ليل الضيعة وحشةً وكان الضباب الزاحف يغلّف العتم بغشاءٍ من الخوف. خفّ المطر أخيراً، فصعدت عبيدة الزاروب بحيوية حاملةً على رأسها طبقاً من القش فيه المئزر وقد قلبت فوقه قصعة العجين الفارغة المصنوعة من خشب الجوز. تظاهر كل منهما بعدم رؤية الآخر. وما أن اجتازته ببضع خطوات حتى غطى المنقل بالصاج ووضع الرفش تحت إبطه وهرول منحدراً إلى التنور. شهق موحْوِحاً أمام فوهة التنور. أضاء الوهج وجهه المختلج. التقط نتفة خبز مما يعلق بجوف التنور. قرشَتْ في فمه، فغمغم باستلذاذ. لاحظ أن عبيدة قد تركت له رغيفين على المرتبة فابتسم. أدخل الرفش في التنور. دفعه بعزم منحِّياً وجهه عن الوهج ثم أخرجه مترعاً بجمر الأغصان الرفيعة. أعاد الكَرَّة. وحين امتلأ المنقل بالجمر غطَّاه بالصاج ووضع نصاب الرفش على مسكة المنقل كي تحوشهما يده، ثم انطلق نحو البيت بخطواتٍ قصيرة عجلى. لم يكن بيتاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل زريبة من غرفتين: الشرقية مخصصة لطرش عمه المكون من بقرة وابنها وثلاث عنزات. والغربية مخصصة لسكناه. وعندما انصاع عمه لإلحاح زوجته وأمَرَه، منذ سبع سنوات، بالانتقال إلى بيت التراب الذي كان حتى ذلك الوقت مخزناً للتبن وزريبة للدواب. كان ذلك مدعاة سرور للجميع وعل رأسهم سليم. لعلمه أن عمه الذي لقَّبَهُ بـِ "النقَّاق" لم يكن يحبه أيضاً. وقد كان من ناحيته يبادل عمه الشعور نفسه ويلقبه "أبو لهب" وزوجته "حمّالة الحطب". رغم ذلك كانت علاقة سليم بدواب عمه طيبة. فهو لم يكن يغلق الباب الفاصل بين الغرفتين في فصل الشتاء كي تتدفأ الحيوانات بناره ويتدفأ هو بأنفاسها. ولكي تعرف الحيوانات حدَّها كان يسد الباب بصندوق خشبي كبير مصفَّح بالتنك، قيل له بأنه كان صندوق عرس المرحومة أمه. ركَّز الكرسي الوحيد في الغرفة على مقربةٍ من المنقل ونشر سترته المبللة على مسنده . تناول خرقة خام من تحت مخدته وجفف شعره بها. جلس على طرف السرير واضعاً قدميه على مسكتي المنقل وانحنى فوقه طلباً للدفء. خفت دبيب المط على السطح، فأخرج من جيب سترته مشطاً سرَّح شعره به. نظر إلى ساعته. كانت تقترب من الثامنة والنصف. لبس سترته والبخار يتصاعد منها. نوَّس القنديل ثم أغلق الباب خلفه وغاب في العتم والضباب. لم يكن سليم يشعر بالارتياح إلا في بيت الأستاذ حسين لأنه الوحيد الذي يعامله باحترام من بين الثلاثة الذين يملكون تلفزيونات ملونة في الضيعة. وهو لم يكن يحب الفرجة على التلفزيون العادي لأن الملوَّن ، على حد قوله، "غير حياة". نشأ سليم يتيم الأب والأم منذ السنة الأولى من عمره، ورغم ما عانه في بيت عمه إلا أن ذلك لم يقلل من حساسيته وكبريائه إن لم يكن قد زادهما، بحيث بات لا يطيق الإثقال على أحد. رغم ذلك لم يستطع الانقطاع عن السهر في بيت الأستاذ حسين منذ خمسة أيام. لأن التلفزيون كان يعرض مسلسلاً يروي قصة يتيم مثله. دقّ الباب واندفع داخلاً. قال مبرراً عدم انتظار الإذن بالدخول: "ما شاء الله على هالمطرة. كلما طالت شدَّتْ!" اعتبر الأستاذ حسين كلام سليم بمثابة التحية فابتسم له مربّتاً على البقعة المجاورة له على المدّة في صدر السيباط المزنَّر بالمساند. "أهلاً سليم. ادخل لعندي". تربَّع سليم حيث أشار له الأستاذ حسين. كان التلفزيون يعرض وقائع استقبال أحد الملوك العرب على أنغام الآلات النحاسية. تقدَّم قائد حرس الشرف. لوَّح بالسيف ثم وضعه بين عينيه مقدِّماً نفسه بأعلى صوته. التفت سليم إلى الأستاذ حسين وسأله بجدية: "الزلمة قدامه… ما بينه وبينه متر. ماله عمَّال يصيح؟" رد الأستاذ حسين بجدية: "تعبيراً عن الاحترام" لم يفهم سليم علاقة الصياح بالاحترام، إلاّ أنّ الأستاذ حسين لم يعطه الفرصة ليسأل عن ذلك، إذ التفت إلى زوجته قائلاً باحتفالية مبالغ بها: "هاتي حطِّي عشا" هبّ سليم مصالِباً ساقيه تحته مُقْسِماً بحياة المرحوم والده أنه قد تعشّى قبل مجيئه. وأتبَعَ ذلك بفتح يديه والتوجه إلى أعلى داعياً: "إلهي وأنتَ جاهي، يخلِّي لك أولادك ويشحِّدَك صحّتَك ويديم عليك نعمته. يا كريم" رد حسين مبتسماً: "إذا متعشِّي.. صبِّي له كاسة شاي كبيرة تدفِّئ له بطنه" أردف سليم قائلاً بخجل: "إلهي يوجِّه لك الخير يا آدمي يا ابن الأوادم". بدأ الأولاد يصخبون بشكل لم يعد يترك مجالاً لسماع ما يقوله مذيع التلفزيون الأجلح. فتغافل الأب عنهم مكتفِياً برؤية الصورة. لكن ما أن ظهر على الشاشة شارع مغلق بالحجارة والبراميل والدواليب المشتعلة وظهر أولاد وشباب وبنات يرشقون الحجارة حتى صرخ الأب بحزم: "ولا صوت… أنت وإياه" علا صوت المذيع كفقاعة هواء من قاع بحيرةٍ من صخب: "فرانس برس، نقلاً عن مصادر فلسطينية أن المواطن الفلسطيني مصطفى قلوب قد استشهد إثر إصابته برصاص الاحتلال أثناء المصادمات التي جرت بين المواطنين العرب وقوات الاحتلال في مدينة نابلس بالضفة الغربية. ونقلت الوكالة أن خمسة وعشرين فلسطينياً قد جرحوا برصاص القوات الإسرائيلية في قطاع غزة.." لم يعد سليم يسمع الكلام إذ أخذته بكليته صورة جندي إسرائيلي يضرب شاباً فلسطينياً بالهراوة على أم رأسه وجندياً آخر يسحب فتاة في حدود الرابعة عشرة من شعرها. غمغم مغتاظاً: "شوف هالعكروت شوف" إلا أن الحزن الذي ارتسم على وجهه تلاشى إذ رأى حجراً يصيب أحد الجنود في كتفه فيتلّى موجعاً. نهز في مكانه ناظراً فوق التلفزيون لاشعورياً كما لو أنه يريد رؤية وجه الفتى الذي رشق الحجر بحماس: "من يد ما تعدَم. عيني الرب اللي خلقك" راقب حسين الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحنٍ هارباً من رمايات الجندي وعندما اختفى الولد في أول دخلة بين البيوت، تنهَّدَ سليم وقال للأستاذ حسين: "شفت؟ والله يا عمي هالصغار كبار" أعجب الأستاذ حسين بكلمة سليم فقال له مبتسماً: "كلامك صحيح يا أخي، إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر".. وشعبنا حي من يوم يومه . شفت كيف أولادنا عمالين يتحدُّوا البارودة والمدفع والدبابة بالحجر والمقلاع والنقيفة، شفت؟" صمت سليم ثم قال بشرود: "أولادنا بالحجر والمقلاع والنقيفة… ونحن بالحكي" نقز الأستاذ حسين عند سماع تلك الكلمات واحمرَّ وجهه. رغم ذلك التفت إلى سليم وقال له: "بشرفي كلامك صحيح" إلا أنه لم يقل شيئاً آخر حتى نهاية المسلسل. خرج سليم من بيت الأستاذ معتكر المزاج لأن شبيهه بَطَلَ المسلسل اليتيم قد افتُرِيَ عليه وأُدخِل السجن، ولأنه أحرج الأستاذ دون قصد. وقد ازداد سليم ارتباكاً عندما أصرّ حسين عليه بأن يأخذ مشمَّعَهُ ومصباحه الكهربائي لأن العتم كان حالكاً والمطر ينصبُّ من أفواه القرب. كانت السيول تغدق في الزواريب ساحبةً معها التربة والحجارة. وكان سليم يقفز من بقعة لأخرى متفادياً السيل عندما رأى على بعد خمسمئة متر من بيته كتلة سوداء في منتصف الطريق. لم يكن الضباب قد انقشع تماما ً فظنّ أن الكتلة السوداء ضبعاً. لكنه ما أن سلَّط عليها ضوء المصباح، حتى ميَّز فيها إنساناً مطروحاً في مجرى السيل. كان جعفر الشيخ منسدحاً بمعطفه الأسود وسط الزاروب كسلحفاة قُلبت على ظهرها، والسيل يكاد يغمره . سحبه سليم من ذراعه، قرَّب وجهه منه فزكمت أنفه رائحة العرق الحريفة التي تفوح من أنفاسه المرتعشة . سلَّط ضوء المصباح على وجهه فبدا كالميت وبدت صلعته وقد انشمرت كوفيته عنها، شديدة البياض قياساً إلى وجهه المحروق بالشمس. وضع سليم رأسه تحت إبط جعفر. سحبه خارج السيل. أسنده إلى الرعش ثم زقَّله على ظهره ومشى به وسط المسيل بينما كانت الحجارة المجروفة بالسيل تنقر قدميه بشكل موجع. دفع سليم باب غرفته بأم رأسه، فانفتح. أجلس ججعفر على الكرسي الوحيد فيها. مال يميناً فعدله قبل أن يقع. هزّهُ من كتفيه. لم يُبدِ أية استجابة. رفع فتيل القنديل. اكتشف في الضوء أن قطعة النايلون التي ثبَّتها في الشتاء الماضي إلى عوارض السقف الخشبية قد تمزّقت تحت ثقل ماء الدلف الممتجمِّع فيها. استدلَّ من بقايا الماء المروِّم في خفسة السرير أن ذلك حدث قبل لحظاتٍ من دخوله. لاحظ عدة دلفات جديدة إلا أنها جميعاً كانت بعيدة عن المنقل، لحسن الحظ. حافظ البيت على شيء من الدفء. حرَّك الجمر بالملقط فانطلقت منه موجة من الدفء والوهج. هزَّ جعفر من كتفيه مرة أخرى. تحسَّس جبينه براحة كفه. كان بارداً كالموتى، وعلائم الازرقاق بادية عليه. رفع اللحاف المكوّم عند نهاية السرير فأدرك أن البلل لم يطله. شلح الفراش فوق كومة الحطب الصغيرة في زاوية الغرفة اليسرى. خطا من فوق الصندوق إلى الغرفة الأخرى . رمى بضعة أحضان من العشب الميبَّس عبر فتحة الباب. ثم دخل مثلما خرج. سوَّى العشب الميبَّس فوق شبك السرير. نزع عن جعفر معطفه وسترته. مدَّده على السرير. فرد اللحاف فوقه. دحرجه يميناً فشمالاً حتى اندرج في اللحاف اندراج التبغ في ورقة السيجارة.. أضرم النار في الثفيَّة. وبينما كان يكسر الأغصان ويلقي بها في النار لاحظ أن الماء قد نبع من الحائط الأيسر فلم يحرّك ساكناً لأن المياه كانت قد رسمت على الأرض خطاً متعرجاً ينتهي تحت الباب. تناول المصباح وخرج. كانت الريح قد بددت الغيم تماماً أما المطر فقد ظلَّ على اشتداده. زمَّ رقبته إذ لسعه الهواء البارد ومضى نازلاً إلى بيت جعفر قافزاً من حجر إلى حجر متفادياً السيل . استعادت ذاكرته صورة الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحن ثم يختفي . خبط باب السنديان بكفه ثلاث مرات فجاءه صوت حبابة من الداخل:"روح نام مطرح ما كنت سهران يا عديم الدين". صاح بصوتٍ عالٍ: "افتحي خالتي حبابة أنا سليم" فتحت المرأة الباب فأصدر صريراً حاداً مزعجاً. قالت بلهفة: "يا قلع عيني شو صار؟" رد سليم بلهجة مطمئنة: "ما صار شي.. تطمَّني. فيِّقي لي ابنك أنا بحاجته" نخرت المرأة متحسّرة: "إلهي يفجعني فيه وبعكروتته. والله يا غالي عشقان بحرف القلع. وكل يوم ما تخلص سهريته قبل طلوع الضو" أراد سليم أن يرجع إلى البيت دون أن يقول شيئاً لكن حبابة استوقفته عند الباب قائلةً: "بِحَضِّي الله بعتَك. البيت نبع وما عندي حدا يسوكرلي وراه.. اطلع افتح لي طريق للسيلة أحسن ما تاخد البيت. إلهي يحرسك ويحميك ويعمي عنك عيون الظالمين" بعد نصف ساعة عاد سليم إلى بيته مبللاً حتى النخاع رغم المشمَّع الذي يرتديه . سلَّط ضوء مصباحه الكهربائي على وجه جعفر. كان يغطُّ في نوم عميق . ألقم النار بضعة عيدان فانتعشت. غيَّر ثيابه السفلية بأخرى جافة. نشر ثيابه وثياب جعفر فوق أغصان الحطب قرب النار. جلس على الكرسي واضعاً قدميه على مسكتي المنقل مدثِّراً نفسه ببطانية مههلة. وعندما كاد أن يغفو نزلت دلفةٌ على أم رأسه. لم يكن راغباً بالنهوض من جديد، فتناول المشمع وأدخل رأسه في قبعته المخروطية. وعلى إيقاعات الدلف وزخّ المطر وصرير الريح، أغفى. قبيل الفجر رأى جعفر الشيخ نفسه في الحلم مخوزَقاً بسيخ ضخم يدخل من دبره ويخرج من كتفه. وعلى يمينه عملاق ضخم بعينٍ واحدة يقلِّبه فوق نارٍ عظيمة. جال بعينيه الحمراوين في غرفة سليم التي لم يدخلها سابقاً، فرأى مقابله كائناً أكثر غرابة من ذاك الذي كان يشويه في الكابوس. ظنه عزرائيل، فأطلق شهقةً كادت روحه تطلع معها. أفاق سليم على الصوت فرأى جعفر يحملق فيه. قال له بلهجةٍ يختلط فيها الخوف بالمزاح: "ما لك؟ أرعبتني!" نحَّى سليم المشمع ذي القبعة المخروطية عن رأسه، فغمغم جعفر بلهجة يمتزج فيها السُّكْرُ بالبلاهة بالذعر: "يحرق مراكعك…! عهد الله فكرت حالي بجهنم!" رد سليم متهكِّماً: "يا سيدي ماكتير غلطت!" ضحك الرجلان بسعادة وصفاء، وليس من ضحك أسعد وأصفى من ذاك الذي يعقب الخوف. هيّأ سليم إبريق الزوفا وأضرم النار في الثفية. وعلى طقطقة الأغصان تنهَّد جعفر قائلاً وهو ينظر إلى سليم بمحبة: "لمعلومك، لولا المقادير، كان ممكن تكون ابني، لأني بأيام شبابي كنت عشقان أمك، ولما طلبتها، تقدَّم لها والدك وتزوجها لأنه ابن عمها وأحقّ بها" فوجئ سليم بهذا الكلام فابتسم لجعفر. وبعد برهة من الصمت قال سليم: "من سنتين حكى لي (عبود سريّا) أن أمي ماتت طقيق. ولما سألته عن قصده ما رضي يفهّمني" غمغم جعفر مغضباً: "أي والخضر والأئمة العشر وكل عيد ونذر ماتت طقيق!" توتَّر وجه سليم. قال بلهفة: قل لي كيف ماتت؟ رد جعفر بحزن: مات وخلص. الله يرحمها. ألحّ سليم على جعفر بالسؤال، فازداد تمنُّعاً وتحت وطأة إلحاحه المستمر صحا جعفر من السكر قليلاً فنهض يريد الخروج تحت المطر الذي لم ينقطع طوال الليل. سحبه سليم من إبطه والدموع في عينيه: إذا كنت لا تريد أن تحكي، لا تحكي… اقعد حتى تنقطع المطرة. سكب سليم الزوفا في كأسين صغيرين. قدَّم لجعفر واحداً منهما. خيَّم على البيت صمت لا يخالطه إلا عواء الريح في الشقوق ودبيب المطر على السطح. غمغم جعفر إثر رشفة من كأس الزوفا الذي يتصاعد منه البخار. "على كلٍ.. صار لازم تعرف… آخرها لا بد ما تعرف" استيقظت تلك الليلة الصيفية اللطيفة في رأس جعفر، فروى لسليم كيف انتعشت آماله بالزواج من أمه عندما كان طفلاً رضيعاً إثر وفاة والده بلدغة أفعى عقد جوز أثناء الحصاد، وكيف ضرب الطمع في رأس عمه كامل فخاف أن تعطي الرزقة التي ورثتْها عن أبيها، بعد موت أخوتها جميعاً بالشاهوق، للرجل الذي ستتزوجه. وبما أنه كان يعتبر تلك الرزقة ملكاً لأخيه الذي ورثه، فقد غافَل الجميعَ واشتغل شغلته. احتقن وجه سليم بالدماء. قال بنفاد صبر: شو قصدك؟ قال جعفر مهدّئاً: شوف يا ابني.. اللي طاح راح و… رد سليم بحدة: اللي طاح راح لكن لازم أعرف شو يعني (اشتغل شغلته"! غمغم جعفر: "يعني تزوجها! تزوجها غصباً عنها. قالوا أنه ربطها بالساموك، وأن امرأته تميرة الضبعة فتَحَتْ له ساقيها حتى اشتغل شغلته". خيم صمت ثقيل على المكان، أدرك جعفر من خلاله أن المطر قد توقف عن الهطول، فلبس معطفه الذي لم يجف بعد ومشى إلى الباب مترنّحاً. قال سليم دون أن يحيد بعينيه عن النار: وكيف ماتت؟ رد جعفر بصوت أسيان قبل أن يغلق الباب خلفه: ناس قالوا إنها وقعت عن كتف الشير.. وناس قالوا إنها رمت حالها. ** غسل المطر وجه الدنيا ثم جاءت الريح فجففته. صبيحة اليوم التالي فتحت تميرة الضبعة باب بيتها قاصدةً العين لتملأ لجّ الفخّار بالماء فأجفلت عندما جاءها صوت سليم من قفل شجرة التين العارية. لم تفهم شيئاً مما قاله فنخرت في وجهه قائلةً: "شر عليك… فزَّعتني!" قال سليم بجدية فيها الكثير من التحدي وهو يستعيد صورة الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحن هرباً من الجندي الإسرائيلي ثم يختفي في أول دخلة: نادي لي عمي أبو لهب. نظرت إلى أعلى ولما رأت سليم ممسكاً نقيفته بيده، قالت بسخط:ما سامع الراعي… رح فلِّتْ البقرات يا جحش! قال سليم بلهجة مهدِّدة لم تسمعها تميرة قبلاً: قلت لك نادي لي عمي أبو لهب. رفعت المرأة يدها نحو السماء وقالت داعيةً: إلهي يفجعني فيك يا مهيَّف يا عدوّ الله. شدَّ سليم نقِّيفته، وهو يرى الولد يرشق الحجر، ثم أفلتها، فانطلقت منها حصاة حوَّلت اللجَّ إلى شظايا صغيرة . نظرت تميرة إلى مسكة اللج التي بقيت في يدها وقالت بذهول: ويلي أنا ويلي. بالظاهر جَنّ! خرج كامل على صوت انكسار اللج، ففوجئ بسليم يصيح بأعلى صوته: يا سامعين الصوت، أنا داخل على الله وعليكم! اجتمع معظم أهالي الحارة رغم الهواء القارس، قبل أن تنتهي تميرة من إخبار زوجها بما جرى . صاح العمّ وقد لوى الغيظ حنَكَهُ: "إي بحظّي، لأحسب الله ما خلقك يا عكروت يا مصَرْصَع! صاح سليم شاداً النقيفة نحو صدره: لا تشقلني بعينك وتحكي طالع نازل. قسماً بالله مستعد أقلع لك إياها. سرى الخبر في الحارة كالحريق، فجاء الأستاذ حسين والشيخ حمد. قال الأستاذ حسين بهدوئه المعهود: خير يا أوادم؟ أجابه سليم بصوتٍ عالٍ: خير يصيبكم جميعاً. يا عمي أنا طالب حقي من هذا الظالم أبو لهب. رغى العم وقذف سليم بعشرات اللعنات، لكنه اضطرّ أن يصمت أخيراً نزولاً عند رغبة الشيخ حمد. قال الشيخ: انزل من عندك حتى نتفاهم. شدَّ سليم مطاط نقِّيفته وصاح: لا وخالق الخلق ما حزرت! اسمعوا يا أوادم. هالمفتري عمي اغتصب أمي حتى يبلع رزقها، وأنا عمري عشرين سنة وما ممكن أنزل قبل ما ينضمن حقي! سرى لغط بين الأهالي وبينما كان العم ينسلّ إلى البيت، قال ابنه الأكبر هيثم لسليم هازئا ً: انزل من عندك بلا قلَّة عقل، أحسن ما أناولك حجراً ينزلك على رأسك! صاح سليم مغتاظاً: "فَشَرْتَ يا واطي!"، ثم شدَّ نقيفته فانقذفت منها حصاة أصابت هيثم في جبينه فأخذ الدم ينزف منه بغزارة حتى غطى وجهه. كان سليم صياداً بارعاً بالنقيفة، ولولا ذلك لمات من سوء التغذية. خرج العم كامل حاملاً بارودة دكّ في يده وما أن رأى الدم يغمر وجه ابنه هيثم، حتى صاح باهتياج: خذْ يا عكروت. لكن جاره سلامة دفع البارودة في الوقت الملائم، فدوّى الطلق الناري في الهواء. صاح سليم من قفل التينة شاقَّاً قميصه بعنفوان: قوِّصْ يا جبان، قَوِّصْ! وخلال لحظة شدّ نقيفته وقذف منها حصاة أصابت عمه في أذنه، فصاح متوجّعاً: آخ.. قتلتني. غالَبَ الأستاذ حسين ضحكته، لكنّ بقية الحاضرين لم يكلّفوا أنفسهم عناء ذلك. الأمر الذي أغاظ العم فشتمهم، فلم يستطع حتى الأستاذ حسين أن يكبح ضحكته. بدأ أولاد كامل يرشقون سليم بالحجارة لكنه اصطادهم واحداً فآخر. أخيراً رفع الأستاذ حسين يده فانقطع التراشق . قال لسليم وعلى وجهه ابتسامة مشجِّعة: انزل من عندك. خلص. ردّ سليم: وحقّ شواربك الغاليين ورأس المرحومة أمي، ما ممكن أنزل قبل ما أضمن حقي من هالمفتري. أنا صار عمري فوق العشرين ومن حقي آخذ رزقي وشوف حياتي. أنا طالب القسمة! صاح العم مغتاظاً: حقَّك فلْطة بحنكَك يا مسخ! التفت الأستاذ حسين نحو العم كامل وقال له: فعلاً حقّه يا عم كالمل. صاح كامل كالملدوغ: نعم؟! شو تفَضَّلْت حضرتَك؟! قال حسين متجاهلاً لهجة كامل العدائية: الشاب طالب القسمة. وهذا حقه. صاح العم وقد أعماه الاهتياج: "فشرتَ أنت وإياه"، وهجم نحو الأستاذ حسين يريد ضربه. قال الأستاذ حسين بشيء من الوعيد: "لمعلومك، الدنيا فيها قانون، والأيام أثبتت أنه ما ضاع حقّ وراءه مطالب". وهنا التفت إلى سليم قائلاً بنفس اللهجة: "انزل يا سليم من عندك. حقك انضمن!" فنزل سليم من قِفْل التينة برشاقة، وقال لعمه والنقيفة بين يديه: "سمعت يا مُفْتَرِ! أنا وأنت والزمن طويل" ثم استدار صاعداً الزاروب إلى جانب الأستاذ حسين وعيناه تشعّان بألق جديد. دمشق – شباط 1990
|
![]()