Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

( الآنسة صبحا)
قصص بقلم : حسن م. يوسف
صدرت لأول مرة عن دار الينابيع -دمشق 1993
الإهداء: إلى قتيلَيْ الضيق، فواز الساجر وسعيد مراد
المحتويات:
1-حدائق العمر ...بكياً
2-أين أنت الآن أيها الضابط
3-سليم يطلب القسمة
4-الضيق
5-خفستان في الرأس
6-الآنسة صبحا
7-مكتوم
8-ست المطر
9-السَّهِّيرة
10-يا...مدير

 


 

حدائق العمر.. بكياً

قصة: حسن م. يوسف

لأول مرة منذ تسع سنوات يخرج سامي الجراح إلى الشارع بربطة عنق مرخية بعض الشيء. وجهه – وجه المدير المرسوم بدقة– لا يزال محافظاً على إيحاءاته بالذكاء والرضى والقوة والثقة بالنفس، تلك الإيحاءات التي مرَّن نفسَهُ عليها أمام المرآة قبل حوالى ربع قرن ومارسها باستمرار حتى ترسّخت في وجهه كقناع تحت الجلد. لكن من يعرف سامي الجراح حق المعرفة يستطيع أن يدرك من همود عينيه أن ذلك الوجه يخفي خلفه روحاً تتمزق.

قال للسائق بلهجته المدروسة التي هي مزيج من الحزم واللطف:

"أبو حسين.. صف السيارة قدام البيت. طالع على بالي أتمشَّى…"

"بأمرك أستاذ"

مشى خطوة. دقر. صعد إلى السيارة بجوار السائق. قال دون أن ينظر إليه:

"حطني على جسر فكتوريا"

مشى على الرصيف المحاذي للنهر. رأسه ممسوح بأضواء مبهرة تأكل ملامح ذاكرته وجسده ثقيل فيه خدر وطنين. نظر إلى النهر الذي أعادت له سيول الربيع العكرة شيئاً من شبابه، لكنه لم يكن يرى سوى الأضواء المشتعلة في رأسه.

اخترقت ثيابه نسمة باردة، فخفتت الأضواء وبرز من تحتها وجهها – وجه مها – أبيض كما لو أنه مطلي بالكريما، ثم ذاب.

تلاشت الأضواء المبهرة في رأسه وخفَتَ الطنين الغامض في خلايا جسده فتحفّزت حواسُهُ بتسارع شديد وصفَتْ حتى صارت تلتقط الأشياء بوضوح أليم: تحزيق حبات الرمل بين نعله والبلاط

… ضجيجي الشارع.. نقطة الصدأ القرمزية في حاجز النهر… عفونة بردى التي لم تستطع سيول الشتاء تبديدها… طعم لعابه المز المقبض… اهتزاز الشعيرات السود على قفا يديه الحليبيَّتين المتأرجحتين في النسيم البارد.

انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتنتهي بوجهها – وجه مها – يقفز إليه من قلب الدائرة الأخيرة، يرجُّه بقوة، كحجرٍ يرتدُّ إلى يد راميه.

هزَّ رأسه شاهقاً كمن تلقّى في وجهه رشقة ماء.

أزاح وجهها – وجه مها – وانكفأ إلى الداخل.

(لا شيء سوى الماء… الصور والأفكار التي أمضيت عمراً في صقلها ذابت كقلاع مبنية من رقاقات الجليد الهش… لا تخذلني يا عقلي… ساعدني أرجوك).

أزاح وجهها – وجه مها – مغمغماً بصوت مسموع:

"لازم أعرف. لازم أفهم، وإلاّ…"

(يوم اصطدمت مع عبد المعين رئيس قسم العملات الأجنبية، تهرَّب جميع رؤساء الأقسام الأخرى من قبولها بحجة سوء طباعها فعيّنتُها مطرح سكرتيرتي التي سافرت مع زوجها إلى الخليج من باب قبول التحدي.)

بعد عشرة أيام دخل صديقي الصحفي محمود إلى مكتبي وقال مشيراً برأسه إلى الخارج "إيه التحفة دي"، فاكتشفتُ أنني لا أذكر ملامحها تماماً لأنني أحترم شغلي من جهة ولأنني تعمّدت أن

 أكون جافاً معها بشكل خاص حتى لا تتمدمد معي، فالإشاعات تقول إنها فقعت عبد المعين كفَّاً سُمع حتى آخر الممشى.

في ذلك اليوم، لست متأكداً من أنها أسقطت المقلمة عن طرف مكتبي قصداً، لكنني في ذلك اليوم فوجئت بشفتيها الشهيتين كحبتي كرز وبعينيها الغامضتين اللتين تطلان على أنوثة طاغية.

ابتسمت لها كما لطفلة شقية، بدت لي كذلك في ضوء النهار المتسرب عبر الستارة الزهر. ردت الابتسامة ثم قرفصت تجمع الأقلام، في عينيها ملعنة وفي التفاتتها مهرة.

حين طلبت منها لفّ شعرها الطويل المنسدل لأن جماله يشتت انتباه المراجعين، تعثّرتْ بالطربيزة لكثرة ارتباكها ثم نترت رأسها بحيوية إلى اليسار والخلف مبعدةً غرتها لتراني بكلتا عينيها.

بعد يومين قررتُ، لسببٍ أعرفه الآن، الحضور مساءً إلى المصرف لإنجاز المعاملات المتراكمة. في ذلك اليوم أمرت أبو حسين أن يوصلها بسيارتي وفي اليوم التالي أوصلتها أنا.

كنت أعمل بإنتاجية عالية، وكان إعجابها بي يزداد وضوح

اً. "لو كل الناس اشتغلوا مثلك كنا بألف خير" بعد أسبوعين صارحتني أنني صرت مثلها الأعلى في العمل، وتأسفت لأنها لن تستطيع

 المجيء بعد الظهر لأن أمها سافرت مع أبيها إلى البلد وهي مضطرة أن تطبخ لأخوتها.

لم تناقشني حين رفضتُ اعتذارها… سأطبخ لهم في الليل.

حينما دعوتها للغداء، شهقت مندهشة لكنها لم تتردد في قبول دعوتي. وحينما خيَّرتُها بين المطعم والبيت اختارت البيت.

 

أدهشها ترتيب بيتي وازدادت دهشتها عندما علمت أنني أفعل كل شيء بنفسي

.. طبخ، مسح، جلي، تعزيل.. وحينما أخبرتها أن الطعام جاهز من البارحة زعقت بابتهاج وتعلقت بعنقي ترفس الهواء وتقبلني وأنا مندهش وراضٍ كأب.

لم تصدق أنني أجيد الطهي إلى هذا الحد فجعلتني أقسم رماراً على أنني طبخت الطعام بنفسي.اعتذرت منها لأنني تعودت أخذ كأسٍ من النبيذ مع الغذاء، فرمقتني بنظرو مواربة معيدةً الماء الذي سكبته لها إلى

 الإبريق. ملأت الكأس نبيذاً ثم رفعته… بصحتك. انتقل النبيذ إلى خديها بسرعة مدهشة وأخذت تضحك بسعادة ساحرة.

بعد الغداء عانقتني من الخلف طويلاً. أحضرت لها قلماً وورقة.

 طلبت منها أن ترسم لي أفعى لأختبر موقفها اللاشعوري مني. رسمت خطاً طويلاً بطول الصفحة وهي تضحك. شرحت لها أن علماء النفس يقولون إن المرأة عندما ترسم للرجل أفعى مستقيمة فذلك يعني أنها ترغب في النوم معه.

خبطت ركبتيها ضاحكةً بصخب حتى بانت لهاتها. حملتها عن

 الكرسي إلى غرفة النوم وأسكتُّها بفقبلة عميقة استعدتُ خلالها بعضاً من النبيذ الذي شربته.

أيقظني أذان المغرب. لبست منامتي وردائي ورحت إلى المطبخ أصنع القهوة. أردت أن أناديها كي تتبعني إلى غرفة الجلوس فاكتشفت أنني نسيت اسمها. دخلت غرفة النوم ففوجئت بها تستعرض جسدها

الجميل الرشيق أمام مرآة الخزانة الطويلة. كانت منعطفات وحنايا جسدها البض تعكس الضوء وتمتصه برهافة. التفتت نحوي مبتسمةً بينما كان نظري معلقاً بحلمة نهدها الوردية المحاطة بهالة خفيفة السمرة. فسجلت ذاكرتي الالتفاتة العذبة وأخذت تكررها عندما أريد وعندما لا أريد.

هكذا دخلت حياتي كالسيل الجارف وقد أخافني ذلك، فهدأت الجو قليلاً. وعندما بدأت أشعر أن البيت دونها موحش وبارد، انعكسَ منطق الأمور. صارت هي الهادئة المتزنة، وصرت أنا العاشق الأرعن.

ربما بدأ التحول يوم سافرت إلى البلد لأرى أمي. يومها استغلت فرصة سفري.. أعادت ترتيب البيت على مزاجها. عندما رجعت لم أعرف البيت. أزعجني مزاجها الفوضوي فقررت أن ألقّنها درساً في الأصول.

سألتني وعيناها تلمعان حماساً عما إذا كنت قد مرررت على البيت، فقلت لها إنني قد وصلت لتوي. فركت يديها بشقاوة. "عملت لك مفاجأة تجنن". وقد كانت المفاجأة الأكبر عندما رأت أنني قد أعدت كل شيء

 إلى مكانه القديم. رمت نفسها على الكنبة. وبعد لحظات من الصمت اكتشفتُ أنها كانت تبكي..

أفهمتها أنني اخترت أماكن اللوحات والأشياء وقطع الأثاث بعد دراسة دقيقة

 لألوانها وحجومها وأجوائها ولمساحة البيت، وأعطيت كل شيء مجاله الحيوي في ضوء الانسجام الكلي للأشياء.

نظرت إليّ بعيني حزينتين وقد ساحَ الكحل تحت جفنيها "صحيح ترتيبك

 للبيت ممتاز لكن التغيير ضروري". أفهمتها بهدوء أن التغيير ضروري فعلاً وأنني أحترم التغيير وأريد أن أغيّر لكن التغيير يجب أن يكون نحو الأفضل لا نحو الأسوأ وإلاّ كان مجرد كلام فارغ. ابتسمت لها

 مصالحاً ومددت يدي لأداعب خدها وأمسح الدموع عنه، فنترت رأسها بنزق مخفيةً دمعةً جديدة، ثم مشت مطقطقةً بكعبيها وخبطت الباب دون أن تقول شيئاً.

جن جنوني.. سأقبل طلب استقالتها الذي احتفظتُ به.. وإلى جهنم وبئس المصير. دهشتُ لأنها أغضبتني فأنا عادةً لا أغضب لأن الغضب برأيي من سمات الحمقى.. من يغضب يبدد طاقته في الهواء

 وأنا عوَّدتُ نفسي على أن أتحكم بغضبي وأن أضعه في خدمتي كي لا أجد نفسي خادماً له. هكذا كنت أعتقد حتى الآن على الأقل… لكنها أغضبتني، مع ذلك التسريح غير الضروري، فأنا لست ممن يسيؤون

 السلطات الممنوحة لهم. هاهي تلتفت عاريةً أمام المرآة، تبتسم لي كلها.. تحبني.. تحبني بالتأكيد.. التسريح فكرة سخيفة.. يكفيها عقوبة أن أرى فيلم "حب لا ينتهي" بمفردي بعد أن طلبت مني مراراً أن أصحبها إليه.

 فاجأني الشبه الكبير بينها وبين بروك شيلدز بطلة الفيلم. أثناء العرض استعدت تفاصيلها على شاشتي الخاصة.. انعكس الضوء على كتفها العاري وهي نائمة. بدا أحلى منه على كتف بروك شيلدز. وكذلك ابتسامتها أحلى.

"شكراً يا آنسة لأنك اقترحت عليّ مشاهدة فيلم حب لا ينتهي، فيلم ممتاز. هل تعلمين أنه من إخراج زفريللي صاحب فيلم روميو وجولييت؟ صدقاً كنت أتمنى لو شفناه سوا.. لكن خيرها بغيرها".

كنتُ أتوقع أن تبكي على كتفي كالعادة فأصالحها وينتهي الأمر. وكنت

واثقاً من أن ذلك سيحدث لدرجة أنني أرسلت أبو حسين ليحجز لي محلين

 على نفس الفيلم في حفلة الساعة السادسة. لكنها نظرت إليّ ببرود وقالت لي: شكراً أستاذ. وصارت تعاملني بشكل رسمي وتحكي معي بلهجة سخيفة باردة. نعم أستاذ.. حاضر أستاذ.. تفضّل أستاذ.. حتى كدتُ أصرخ

 في وجهها طز فيك وفي الأستاذ. لكنني لم أفعل بفضل تمريناتي المستمرة على التحكم بطاقة الغضب فأنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكون أحمق من الآخرين. وأنا لا أطيق الأشخاص الذين يمضون وقتهم

 في ارتكاب الحماقات والاعتذار عنها. الإنسان ما يستطيع. وأنا عوّدتُ نفسي

 دائماً على أن أستطيع ما أريد. أريد.. لكن البيت موحش وبارد.. من تظن نفسها؟ مجرد سكرتيرة تساوي نكلة.. لكن الأسبوع الماضي كان أطول أسبوع في حياتي بعد الأسبوع الذي خسرت فيه سها حبي الأول.

انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق لتنتهي بوجهها – وجه سها – سها المهرة التي كانت تلوي عنق الشارع حين تمر. وجه يقطر عذوبةً وسلاماً داخلياً يؤطره زغب مرهف من ذهب.. عينان غامضتان تموران بألق الأحلام. صدر يناطح الريح وقامة ممشوقة تلائم ذوق يوجين ديلاكروا.

رأى نفسه ممسكاً يدها على سكة قطار الزبداني ونسائم الخريف تدفع الأوراق الساقطة للعق أقدامهما. سمع صوته يغني لها: سها يا سها… يا ريم مها… تختال بَها.. القلب لها… سها يا سها.

في البداية لم تستلطفني لأن وسطي أعرض من كتفي على حد قولها لكن نوطاتي كانت الأفضل في صفنا. فأخذت تستعيرها بانتظام. وكنت أكتب لها مقاطع من شعري على الهوامش. في المرات الأولى تجاهلت الأمر، وعندما كتبت لها سها يا سها.. يا ريم مها.. تختال بها.. القلب لها، سألتني عن اسم الشاعر فعرَّفتُها بنفسي. قالت شكلك ليس شكل شاعر… ومنذ ذلك اليوم ترافقْنا. بعد العطلة الانتصافية قلت لها إنني اشتقتُ لها، فاحمرّ وجهها.

 قرأت لها شعر الشوق الذي كتبته عنها ولها فنظرت إليّ بدفء ولم تقل شيئاً ثم أحبتني. كنت أرضى بشيء من الاهتمام فقط. لكنها أحبتني وبقوة أخافتني.. أخافتني لأنني لا أحب العواطف القوية ولا أطيق الرجال الذين ينبطحون تحت أقدام النساء بحجة الحب. فقد علمتني أمي أن الأذكياء لا يقترفون هذه الحماقات وربَّتْني على احتقار أبي لأنه كان رجلاً أحمق هجرنا ورحل بعيداً ليرتمي تحت أقدام امرأة غريبة.. وأنا أقدّس أمي.. أقدِّسها دون حدود.. لأنها ضحت بحياتها كي تقوم بواجبها نحونا وتعلمنا كيف نقوم بواججباتنا تجاه الآخرين. وأنا لم أقصر بواجبي أبداً وإضبارتي تشهد بذلك. ففي الوزارة يسمونني "رجل الواجب".

كنت أحب أن أمشي معها أمام الناس لأرى نظرات الحسد في عيونهم

. مرة سألتني: "لماذا تكثر حوادث السير في الشوارع التي أمشي فيها؟". ففقعت ضحكةً ولم أجب. ومرة أمسكتني في الشارع أمام الناس وسألتني والدموع في عينيها عما إذا كنت أحبها بالفعل.. لم تصدقني

.. كانت تريد مني أن أحبها بجنون وأنا رجل عاقل لا أحب العواطف القوية.

بعدها صارت تصرفاتها غير مفهومة. تنظر إليّ بعينين مليئتين بالعتاب ثم تنهمر بالبكاء، مما جعلني أنفر منها.. فاختفت فجأةً دون كلمة واحدة. بعد شهرين.. وجدتها تنتظرني على باب غرفتي. كان

 وجهها النضر المشدود قد بهت قليلاً كما ظهرت عقدة صغيرة بين حاجبيها. قالت إنها جاءت تودّعني لأنها مسافرة مع زوجها إلى الجزائر. لم أفهم لماذا قطعت دراستها فجأةً لتتزوج، ولم أفهم لماذا وضعت

 رأسها على كتفي وأخذت تنشج بمرارة، ولا لماذا توسَّلَت إليّ، كرمى لها، أن أراجع طبيباً نفسانياً..

مرة أخرى انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتقف عند وجه فتون ابنة الخمسة عشر عاماً التي أرسلتها أمها إليه ليساعدها في حل وظيفة الرياضيات

 كما يليق به كجار محترم، سُمْعتُهُ مثل المسك، كي تجد هي مبرراً لزيارته.

لم أشعر بالارتياح التام مع أي أنثى في حياتي عداها. كنت

 أجلسها في حضني وأحكي لها عن أحدث المخترعات وأهم الأفكار الجديدة المطروحة في الدنيا. كانت تنظر إليّ بعينين ملؤهما الإعجاب والحب. وذات يوم قال لي: "أنت أهم إنسان

 بالنسبة لي.. أنت أستاذي طول العمر.. منك سمعت لأول مرة عن الهندسة الجينية والـ دي ان إي.. والسيبرنتيك.. عندك سمعت كارمن ومنك استعرت أحلى الكتب الملائمة لسني ومعك شفت

 أحلى الأفلام.. وما شعرت بالأسف لحظة واحدة لأنني نمت معك وأعطيتك نفسي.. أبداً.. أنت حبيبي.. لكن خلص.. ما عدت قادرة أشوفك. أرجوك افهمني.. لما أكون معك أحس كأني جوَّا قاعة

كبيرة كبيرة.. فيها شباك واحد في السقف وما فيها ولا كرسي ولا سرير ولا طاولة ولا نار.. معك أحس أني بردانة وأنا ما أحب البرد.."

نفض رأسه كمن تلقى لتوِّه رشقة ماء. فرك وجهه الشاحب. نظر إلى بردى الذي يتدفق مياهاً ربيعية عكرة. شعر بألم  أسفل حجابه الحاجز وشحب لونه. فتح فمه رافعاً حاجبه الأيسر كما لو أنه على وشك أن يتقيأ.

مرة أخرى انتشرت ذاكرته على سطح حياته الماضية في دوائر أخذت تضيق وتضيق لتقف عند سها ثم فتون ثم مها.. فرك جبينه ضاغطاً على صدغيه بعنف. لكن الدوائر تتالت ومن قلب الدائرة الأخيرة قفز وجهها – وجه مها -  ليرجَّه بقوة كحجر يرتد إلى يد راميه.

"لم أعد أطيق العيش بعيداً عنها ولم أعد أستطيع احتمال أسلوبها

 الجاف في التعامل معي، فقررت أن أصارحها بنواياي إزاءها. طلبت منها البقاء بعد انتهاء الدوام. قلت لها إنها أذكى وأجمل فتاة تعرفت عليها، وأنني بفضلها بدأتُ أفكر لأول مرة في حياتي بالزواج.

 قالت بصوت خفيض وقد ترقرقت الدموع في عينيها: لو سمعت

 منك هذا الكلام قبل خمسة شهور كنت قلبت الدنيا من الفرح. كنت بوَّستُك من رأسك لأخمص قدميك.. وكنت أعطيتك عمري غير نادمة. إن شاء الله تبصق فيه وترميه بالزبالة. لكنك كنت تتلذذ بشوفتي

وأنا أتعذب.. كنت تتلذذ بذلي.. لما اشتهيت أشوف فيلم سينما اخترعت ألف سبب حتى لا تروح معي، وبعدها رحت شفت الفيلم وحدك. لما كنت أطبخ لك، وأنا أطبخ بشكل جيد على فكرة، كنت تبرم

 بوزك وتقول لي: إحم.. إحم.. يعني لا بأس. لما كنت أحب أن أسمع موسيقا كنت حضرتك تحب الهدوء ولما أطلب لحظة هدوء تصير الموسيقى بالنسبة لك غذاء الروح.

تذكر يوم السهرة في بيت عاطف بيك الزفت؟ يومها انزعجت حضرتك لأن الجميع اعتررفوا أن وجهة نظري بأحداث المخيمات صحيحة. فكبرت الشغلة براسك.. قمت حولت النقاش لمجالك المفضل الموسيقى

 ولما جاريتك وحكيت كلمتين عن الأغنية السياسية، افتعلت خلافاً معي لتمسح بي الأرض بكل لطف وهدوء وتهذيب وترتيب. لكني قطعت عليك الطريق لما اعترفت مسبقاً أن بعض الأغاني السياسية

 ذات مستوى فني سيء. يومها شفتك على حقيقتك كأن ستارة رفعت عن عيني. فقررت معالجتك على طريقتي.

تذكر يوم فتحنا موضوع صديقك اسماعيل.. قلت لك طوِّل بالك لأن حديثك فيه ظلم للرجل، فاحمرّ وجهك وقلت لي كلام بلا معنى، فقلت لك من باب لفّ الموضوع "على كل حال هذه

 وجهة نظرك" فصحتَ في وجهي: "لا، هذه وجهة نظرك أنت كمان". يومها ضحكت حتى شبعت لأنك طلعت تعرف وجهة نظري أكثر مني. بلا طول سيرة أنا كنت متأكدة تماماً أنك

 لا بد تفاتحني بهذا الموضوع، إذا ما كان اليوم فبكرة. تريد تتزوجني.. آ؟‍ على أي شيء؟ حتى تذلّني وتمرمطني؟ لا وحياة عيونك ما حزرت.. اسمع يا سامي الجراح‍ شهور وأنا أنتظر هاللحظة

. إذا كنت أنت كومة عقد فما لك دواء غيري. اسمع، أنا أرفض طلبك للزواج مني بكل احتقار وأنا واثقة أنه من سابع المستحيلات أن أندم عليك.. لأنك مثل الدودة الوحيدة عندك اكتفاء ذاتي في

 الجنس وفي كل شيء. أنت أفضل طباخ وأفضل مدير وأفضل سمّيع موسيقى وأفضل مواطن نموذجي. من أسبوع رأيتك تفرغ نفَّاضة سجائر السيارة في حاوية القمامة وتنظر حولك طلباً للإعجاب.

. أنت يخزي العين كامل مكمَّل لا تحتاج أي إنسان ومن لا يحتاج الناس… لا أحد يحتاجه..

على فكرة، أنت عاجز عن الحب، وفوق هالشي أنت في الفراش خروف.. تنام مع حالك مثل الدودة الوحيدة تماماً وحتى لا تفكر تبتزّني سجلت طلب استقالتي بالديوان… بخاطرك‍

فوجئ بيد تلمس كتفه. التفت فإذا بشاب سوداني يسأله عن تاريخ اليوم. نظر إلى ساعته بارتباك. قال هازاً رأسه بشرود "أربعة نيسان".

حلّ ربطة عنقه أكثر. فرك وجهه الشاحب بكلتا يديه. دقر في المسير لحظة كمن اكتشف شيئاَ. قال بصوت مسموع "يالله"

التفت الشاب السوداني إليه طناً منه أنه يكلمه.."نعم؟"

لكن الأضواء المبهرة كانت قد اشتعلت في رأس سامي الجراح من جديد وعاود الطنين الغامض خلايا جسده، فقد اكتشف في تلك اللحظة أن عيد ميلاده الأربعين كان أول البارحة وقد مرّ دون أن ينتبه أحد إليه. رغم أن سامي تعود أن يقيم حفلة طنانة بهذه المناسبة كل عام.. شعر أنه مهان. تذكر كلمات مها "من لا يحتاج الناس… لا أحد يحتاجه".

انتشرت ذاكرته على سطح حياته في دوائر خاطفة أخذت تضيق وتضيق. توقف عند اسماعيل الذي لم يعد يحكي معه منذ سنوات بسبب اختلاف في الرأي هو في جوهره صراع مصالح. توقف عند صديق

 عمره سليم الذي كان يتبارى معه في الأعمال الجيدة عندما كانا ولدين صغيرين. تذكر كيف فكَّرا بتشجير مدخل الحارة وكيف راحا إلى المشتل البلدي وأحضرا عشرين غرسة زرعاها معاً وحرساها بصداقتهما

، وها أي ذي الغرسات أصبحت أشجاراً كبيرة بينما صداقتهما أصبحت

 ذكرى، بسبب نادرة. لم يصدق سليم كلام نادرة في البداية. قال لها إن سامي صديق عمره وإنها تتوهم. فسامي يغازل كل السيدات لأنه "جنتل مان" يريدهن أن يشعرن أنهن مرغوبات. لكن نادرة راهنت

 سليم على أن تجعل سامي يمشي أمامها على أربعة ويماعي مثل الباشا في فيلم شفيقة القبطية.. وكسبت نادرة الرهان.

فكّ ياقة قميصه البيضاء راخياً ربطة عنقه أكثر كما لو أنه يعاني صعوبة في التنفس.

رأى شاباً وفتاة يتضاحكان بصفاء على الرصيف المقابل لناذي الضباط. كان الشارع خالياً من المشاة عداه. رأى يد الشاب تقترب بتردد وحرص شديدين من يد الفتاة ثم تمسكها بنهم.

تذكر دونما سبب كيف رمى حلق أمه الذهبي في البالوعة عندما كان في الصف الثالث الابتدائي. رآها بعينيها المذعورتين وشفتيها الجافتين تقول له هازةً يديها بسكون مذعور. أنت لازم تكون

 مرتب ومهذب ولطيف ولازم تطلع الأول دائماً حتى تكون محبوباً ومحترماً من الناس. شعر لأول مرة في حياته منذ أربعين عاماً أنه يكرهها.. يكرهها..

رأى وجه سها وهي تقترح عليه مراجعة طبيب نفساني، فشعر بكرهه لأمه يزداد.. رأى مديره السابق يربت على كتفه.. تعجبني يا جراح، أنت خلقت لتكون موظفاً لأنك مطيع لرؤسائك وحازم مع مرؤوسيك. برافو.

رأى مديره السابق يكبر ليملأ رأسه. شعر أنه خائف - .. خائف من كل شيء.. لأنه يريد أن لا يخطئ. رأى وجه فتون. "معك أحس كأنني جوَّا قاعة كبيرة فيها شباك واحد بالسقف". رأى وجه مها.

"من لا يحتاج الناس لا أحد يحتاجه". رأى عمره يبنى أمامه في

 لحظة واحدة.. ثم ينفرط في دوائر تضيق وتضيق. أخيراً وجد سامي نفسه أمام نفسه طفلاً صغيراً يريد أن يلعب ويتشاقى. لكنه شعر بالعجز التام لأنه محبوس في جثة هذا الرجل الكبير الذي يمشي متثاقلاً على شاطئ نهر بردى.

تلاشت الأضواء المبهرة في رأسه وخفت الطنين الغامض في خلايا جسده فتحفَّزت حواسه وصفيت من جديد حتى صارت تلتقط الأشياء بوضوح مؤلم.

رأى دوائر عمره تنداح الواحدة إثر الأخرى.. شعر أنه وحيد حتى العظم وأنه غريب عن نفسه.

مد الشاب يده مدغدغاً عنق الفتاة فأطلقت ضحكةً عذبة ذكرته بسها.. عندئذٍ شهق سامي مطلقاً صوتاً طويلاً حاداً يشبه عواء ذئب يختنق، ثم استند إلى الحاجز وأخذ ينشج بمرارة ساكباً كل دموعه المؤجلة دفعة واحدة.

                                           كانون الثاني – شباط 1988

 

 

 

 

 

أين أنت الآن أيها الضابط؟

قصة: حسن م. يوسف

* إلى وليد معماري

 

أطل رئيس قسم المنوعات الثقافية في جريدة "النصر" برأسه الأجلح

عبر نافذة مكتبه المفتوحة على قاعة المحررين. تنحنح بقصد

 لفت انتباه الشخص الوحيد الموجود فيها. وعندما التقت عيناهما قال:

"اتصل رئيس التحرير وقال إن زاوية (بالمقلوب) لازم تكون بكرة عن عيد الجلاء".

أغلق النافذة كعادته عندما يبلِّغ أحد المحررين أمراً لا يحتمل النقاش

. حملق الصحفي سمير طارق برئيس قسمه القابع خلف النافذة المغلقة

 فأصرّ على تجاهله. نقَّل بصره بين الورقة المكتوبة حتى منتصفها وبين

الشوارع المغمورة بالشمس النيسانية الدافئة… "راح المشوار عالصغار"!. مرر أصابعه عبر شعره

 الذي وخطه الشيب ثم أسند رأسه بكلتا يده مطلقاً تنهيدة تحولت إلى تنفيخة يمتزج فيها نفاذ الصبر بالأسى.

لم يفاجأ، فهذا الأمر يتكرر منذ سنوات في جميع المناسبات. رغم ذلك شعر بالسخط القديم

 يتململ في داخله فهو لم يتعود أن يتلقى هذا النوع من الأوامر دونما احتجاج

 تنفيذاً لوصية صديقه الأمريكي الشاعر والت وايتمان. مرت قصيدة وايتمان

عبر رأسه بهدوء، كما في كل اللحظات الحرجة التي مر بها منذ سنوات:

 

إلى الولايات

إلى كل واحدة منها وكل مدينة فيها

قاومي كثيراً وأطيعي قليلاً

لأن أية ولاية أو أمة أو مدينة

تطيع طاعة عمياء

لن تستعيد حريتها بعد ذلك أبداً.

 

دفع باب رئيس القسم قائلاً بسخط:

"أي متى الله رح يتوب علينا من هالعادة؟ شرِّفْ قل لي إيش ممكن أكتب

 في زاوية ساخرة مثل (بالمقلوب) عن مناسبة وطنية مقدسة مثل عيد الجلاء؟"

هز رئيس القسم كتفيه قائلاً بتعاطف صادق:

"والله العظيم يا أستاذ سمير أنا مقتنع معك وباصِم لك بالعَشَرة ورئيس

 التحرير مقتنع كمان… لكن دق المي وهيي مي!.. على كل حال ما ضروري

 هالزاوية تكون ساخرة وتطالع الزير من البير.. اكتب لك كم جملة عاطفية بأسلوبك الأدبي الحلو.. وكفى الله المؤمنين شر القتال"

نقز الصحفي سمير طارق كما لو أن كرامته قد مُسَّت. قال باستخفاف:

"قصدك أكتب إنشاء مثل غيري وأحكي عن الأبطال الذين استشهدوا [ليعلِّموا

 الطيور والبلابل أغاني العشق الأبدي للوطن والحرية].. لا يا أستاذ.. أنا لو

 أردت أن أكذب وأكتب مثل هالحكي السطحي الرَّخو ما كنت بقيت شقفة محرر طول عمري.. وأنت أدْرى".

رغم ذلك ذهب سمير طارق إلى الأرشيف علَّهُ يجد في أعداد السنوات

 الماضية فكرةً ما ينطلق منها. إلا أنه خرج بعد نصف ساعة بروح مغلقة

 ويدين مغطاتين بالغبار. في طريقه إلى الخارج توقف رئيس القسم عنده

 لحظة. قال له بلهجة ودودة: "نصيحة، خليك عالخط أحسن ما يجيبوك بنص الليل حتى تكتب زاوية غيرها… خاطرك".

بعد نهاية الدوام خيم السكون على الجريدة ولم يعد يشوشه إلا طنين غامض ينطلق

 من غرفة المصححين الذين يقارنون البروفات مع أصولها: واحد يقرأ والثاني يتتبَّعه.

أسند سمير رأسه بكلتا يديه وشرد في عمره. عاد لأيام ما قبل الجلاء عندما

 كان طالباً في الإعدادية. تذكر المظاهرة الوحيدة التي شارك فيها مع

 زملائه ضد الاحتلال الفرنسي.. رأى نفسه يهتف.. ثم رأى نفسه يعدو

 مع زميله سعيد نحو زقاق الصخر هرباً من رجال الشرطة الذين

 يطاردونهم بالبواريد من شارع بيروت. بدا له المشهد دخانياً وبعيداً

 كأنه لم يحدث يوماً. إلا أن وجه الشرطي الذي انشقت الأرض عنه

 أمامهما كان واضحاً لدرجة أن سمير ما يزال يذكر الشامة السوداء

 الصغيرة عند طرف شاربه الأيمن. أما الضابط الوسيم صاحب العصا

 القصيرة الملفوفة بلسان من الجلد الصقيل، فقد بدا بعيداً في البداية لكنه

 كان حاضراً لدرجة أنه كاد يشم رائحة الكولونيا من بشرته الغضة الحليقة.

مرَّر الصحفي سمير طارق أصابعه عبر شعره الذي تخلله الشيب. تسمَّ

ر لحظةً إذ لمعت الفكرة في رأسه فبرقت عيناه بشدة وبدا وجه ذلك

 الضابط يكبر ويزداد وضوحاً حتى غطى شاشة ذاكرته كلها.

قطَّب جبينه محاولاً إيجاد مدخل للفكرة. انتزع غطاء القلم الناشف. كتب:

"تنام جمرة الجلاء في قلوبنا إذ يهدهدها الزمن، فننساها وقتاً نمضيه

 غرقى في شؤوننا اليومية وشجوننا الشخصية. لكن جمرة الجلاء

 تستيقظ في السابع عشر من كل نيسان تخلع عن نفسها قمصان

 الرماد وتتوهج في قلوبنا لتضيئنا بذكرى شهداء الاستقلال الذين

 ضحوا بأرواحهم في سبيله، وبنضالات الوطنيين الشرفاء الذين

 كافحوا لأجله، فننتبه مجدداً لوجودهم البسيط الحي فينا، كأشقاء للهواء

… الهواء الذي لا يعرف المرء قيمته إلا عندما يعزُّ وجوده".

لمح عاملَ البوفيه يختفي عند نهاية الممر فاستوقفه بصوت مرتفع: "أبو كريم!"

أطلّ أبو كريم بابتسامته العريضة المتهللة: "أمر.. أستاذ؟"

"كأس شاي كبير، الله يخليك"

"من عيوني.."

تابع سمير الكتابة مقطِّباً.

"في ذكرى الجلاء يرى الواحد منا ما تبدَّد من عمره دخاناً وما ترسّخ

 منه في جسد البلاد. يرى جلاءه الخاص به عبر إسهامه الصغير

 في الحياة من حوله. والجلاء بالنسبة لي سماء تحملها قامات

 عاليات… أرى بينها يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش

 وصالح العلي وابراهيم هنانو وحسن الخراط… إلى آخر الأبطال.. لكن جلائي الخاص

 يضم إلى جانب هؤلاء شخصاً آخر قد لا يعرفه أحد منكم. كنت أنحِّيه جانبً كلما كتبت

 عن الجلاء عاماً فعام. وها هوذا الآن يفرض نفسه على قلبي مطالباً بالإنصاف.

في أحد أيام 1945 خرجت مع أبناء صفي في مظاهرة ضد الانتداب وأزلامه

. وبينما نحن نهتف بحماس أطبق علينا رجال الدرك من الأمام والخلف

 فتراجعنا راكضين في طلعة التجهيز. وبما أنني كنت في آخر

 المظاهرة فقد وجدت نفسي في طليعة الهاربين. دخلت أنا وزميلي

 سعيد أبو جناد في زقاق الصخر الموازي لشارع التجهيز. وفي

 منتصف الزقاق خففنا سرعتنا إذ شعرنا بالأمان. وفجأةً انشقت

 الأرض أمامنا عن دركي يوجه بندقيته إلى صدرينا. لحظتها سمعت دقات قلبي وكدت أعملها في بنطلوني.."

حكّ سمير طاطرق رأسه متفكراً. شطب الجملة الأخيرة وتابع الكتابة: ".. أمرنا الشرطي

 برفع أيدينا والاستدارة باتجاه الحائط وعندما انصعنا لأمره سمعته يؤدي

 التحية لشخص ما وسمعت ذلك الشخص يأمرنا بلطف أن ننزل أيدينا.

 استدرنا في نفس الوقت تقريباً، فرأينا ضابطاً برتبة ملازم ينعر

 الدركي بطرف عصاه الملفوفة بلسان من الجلد الأسود ويقول له:

"من كل عقلك ناوي توقفهم ولاه؟ العمى في عيونك هدول شبابنا… عماد الوطن"!

التفت إلينا مغيِّراً لهجته لتصبح أكثر أبوية:

"يالله شباب.. افركوها قبل ما يجي السنغال".

صحيح أنني منذ ذلك اليوم لم أر وجه ذلك الضابط، إلا أنه ما يزال

 واضحاً في قلبي يذكِّرني في كل جلاء أن الاستقلال هو محصلة

 عطاءات كل الوطنيين، وأن بعض الناس أسهموا في صنع

 الاستقلال رغم أنهم كانوا على الطرف الآخر يأتمرون بأمر الانتداب.

والآن بعد اثنتين وأربعين سنة ما أزال أجد ذلك الضابط في قلبي فأهمس في سري: أين أنت الآن أيها الضابط؟"

رسم سمير طارق مربعاً صغيراً في منتصف السطر وكتب اسمه. أعاد قراءة زاويته.

أضاف بعض علامات الترقيم هنا وهناك. رسم مستطيلاً في أعلى

 الصفحة الأولى. كتب عنوان الزاوية داخل المستطيل: "أين أنت

 الآن أيها الضابط؟". مدَّ خطاً من الضلع الأيمن للمستطيل. كتب فوقه (بالمقلوب) وكتب تحته ص 12.

ثم جمع الأوراق بدبوس وأطلق تنهيدة ارتياح.

مرَّ زميله حمد. عندما لاحظ أنه توقف عن الكتابة، دخل مسلِّماً:

"السلام عليكم. شفتك غرقان قلت لحالي اتركه أحسن ما تقطع له سلسلة أفكاره".

ابتسم سمير وهو ينهض:

"أهلاً حمد. كنت رايح لعندك. إن شاء الله معك شي ميتين ليرة؟"

مد حمد يده إلى جيبه. أعطاه ورقتين من فئة المئة ليرة ثم أشار برأسه نحو غرفة رئيس القسم الشاغرة:

"سمعت عياط.. خير؟ شوفيه؟ آ؟"

رد سمير ساخراً وهو يضع المئتي ليرة في جيبه:

"شغلة نايطة. الاسطوانة القديمة إياها".

**

صبيحة اليوم التالي دخل سمير طارق إلى الجريدة بعيد العاشرة. قال لموظف الاستعلامات بجدية:

"أولاً مرحبا. ثانياً تفرّج على طولي! أنا جيت. فلا تقول للناس إني ما جيت، متل كل مرة".

ضحك أبو بديع بحرج:

"أهلاً بالأستاذ! حقُّه! قبل ما أنسى… فيه زلمة ختيار سأل عنك ثلاث مرات اليوم وقال ممكن يرجع".

هز سمير رأسه وهو يصعد الدرج قائلاً دون أن يلتفت:

"إذا رجع دخله دوغري"

فتح الجريدة على الصفحة الأخيرة وأخذ يقرأ زاويته بسرعة ليرى

 ما إذا كان رئيس التحرير قد حذف منها أو أضاف إليها شيئاً.

توقف عند منتصف الزاوية، أخذ آخر رشفة من فنجان القهوة. وبينما كان

 يعيد الفنجان إلى الصحن، دخل الآذن أبو عبدو الذي تعود منذ زمن

 أن ينفث دخان سيجارته أثناء الكلام. قال لاوياً عنقه نحو رجل شيخ يسير خلفه بخطوات قصيرة:

"أستاذ سمير عندك ضيف"

قطع الرجل المسافة بين الباب والمكتب ببطء شديد معطياً سمير طارق الفرصة لتأمله.

كان شيخاً في حدود السبعين، يرتدي طقماً مكحوتاً من الجوخ الإنجليزي القديم

. على أرنبة أنفه نظارتان مستديرتان زجاجهما السميك مغطى بطبقة من القشرة

 والأوساخ وكان يرتدي قبعة باكستانية زورقية الشكل أضفت على وجهه الطولاني

 الضامر لمسة غريبة جعلته يشبه الزعيم الباكستاني الراحل علي جناح.

دفع سمير كرسيه إلى الخلف ناهضاً لملاقاة الرجل. قدم له الكرسي وجلس هو إلى مكتبه

. أسند الرجل عصاه ذات الرأس النحاسي المقوس على شكل رأس نمر إلى طرف المكتب

. بلل شفتيه مبتلعاً لعابه بارتباك. نظر إلى سمير بعينين غائمتين سرق الزمن ألقهما.

قال سمير باحترام:

"تحب قهوة.. شاي.. زهورات.. أو شراب بارد؟…"

رفع الرجل يده اليمنى قائلاً:

"ممنون فضلك"

لاحظ سمير أن الرجل يعاني من ثقل في سمعه. قال بلهجة متعاطفة وهو يطلب رقم البوفيه:

"الزهورات عندنا تمام" 

غيَّرَ لهجته قائلاً في السماعة:

"أبو كريم.. واحد زهورات وواحد قهوة سادة".

أعاد السماعة إلى مكانها ثم رحب بالرجل من جديد ليحثه على الكلام. فرك الرجل يديه المعروقتين مطلقاً تنهيدة مكتومة.

"كل عام وأنتم بخير"!

استغرب سمير تهنئة الرجل له، فالناس لا يتبادلون هذا النوع من العبارات في المناسبات الوطنية. رد:

"وأنتم بخير ياعم.. خير..؟"

قال الرجل بشيء من الحرج:

"خير يصيبكم.. أنا قرأت مقالكم اليوم… الله يعطيكم العافية.."

تناول سمير كأس الماء من صينية عامل البوفيه وكرع نصفها بعد أن ألقى

 في فمه حبتي "أسكربتين" على أمل أن تزيلا الصداع المتخلف من سكرة البارحة

. كان واثقاً أن الرجل ليس من المعجبين بكتابته، إلا أنه لم يستطع تخمين سبب

 زيارته. مرّ أحد زملائه في الكوريدور حاملاً علبة سمنة، فاستوقفه قائلاً بحماس:

"أستاذ علي، رقم 22 في هل سمنة هالمَرَّة؟"

رفع علي حاجبيه علامة النفي، فالتفتَ وقد تذكَّر أنه مرتبط بموعد في قهوة الهافانا بعد نصف ساعة:

"خير يا عم؟ أنا مضطر أمشي بعد عشر دقائق لأني مرتبط بموعد. فقل لي كيف ممكن أساعدك؟"

قال الرجل:

"عدم المؤاخذة.. القصة المذكورة بمقالكم اليوم صارت معكم شخصياً أم أنكم سمعتوها من شخص تاني؟"

رد سمير باستغراب:

"طبعاً صارت معي شخصياً."

قال الرجل وقد تهدَّج صوته:

"وحضرتكم ممكن تتذكروا ذاك الضابط إذا شفتوه؟"

ردّ سمير باستغراب أكبر:

"طبعاً"!

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه الرجل. رفع نظارته المتسخة عن أنفه ونظر إلى سمير والدموع تلمع في عينيه.

لم يفهم شيئاً للوهلة الأولى، لكنه شعر بالقشعريرة تسري في بدنه عندما رأى وجه ذلك الضابط الشاب يطل من تحت وجه هذا الرجل العجوز ذي الوجه الناشف المغطى بالتجاعيد. هبَّ واقفاً. ابتلع لعابه. قال:

"هو… أنت؟"

هز الرجل رأسه بالإيجاب فتقدم سمير منه بحيوية مفاجئة ليمنعه من النهوض، وطبع قبلةً على كتفه الأيمن. حملق سمير بوجه الشيخ المضطرب.

"صحيح جبل بجبل ما بيلتقي، لكن ابن آدم لا بدّ يلتقي! كيف الأحوال؟ والله العظيم أنا ممنون الظروف لأني شفتك.."

شعر سمير بالحيوية كما لو أن الزمن قد عاد به ربع قرن إلى الوراء. قال  الضابط:

"من سنين ما شعرت بالسعادة مثل اليوم.. أنا سعيد ومبسوط لأن نظرتي ما خابت. فأنتم طلعتم عماد الوطن بالفعل".

قال سمير وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حنينية عذبة:

"ليش شو طلع منا غير الخيبات والبلاوي؟"

رد الضابط:

"طلع أنه بعدكم واقفين. غيركم شاف أقل بكتير وما تحمَّل.. على كل حال، هذا حديث يطول. قلت لي أن عندك موعد".

نظر سمير إلى ساعته بلهفة:

"أي والله صحيح. عندي موعد بقهوة الهافانا. فإذا كان طريقك على البلد، شرِّف أوصلك ونحكي أثناء الطريق".

ألقى الضابط نظرة لا شعورية على كأس الزهورات الذي لم يشرب منه إلا رشفة واحدة. قال وهو يتناول عصاه:

"مثل ما تريدوا حضرتكم"

سأل سمير الضابط عن رتبته عند تسريحه، ولما علم أنه كان عميداً قال بودّ:

"سيادة العميد، أنا والله غشيم بلغة التفخيم، فرَيِّحْنا منها الله يخلِّيك"!

انطلقا بسيارة سمير القديمة المستهلكة. قال الضابط:

"زميلك الثاني. وين صارت فيه الأيام؟"

تلكأ سعيد في الجواب لكنه سرعان ما أدرك أن الضابط يعني سعيد

 أبو جناد رفيق مغامرة الهرب من الدرك. قال سمير وفي صوته رنة حزن:

"يا سيدي صار شاعراً ممتازاً. لكنه ظلَّ يحمِّلها حتى طقَّ ومات. الله يرحمه".

تجاوزته سيارة بيضاء عن اليسار ثم قطعت الطريق فجأةً لأن سائقها أراد

 تجاوز سيارة أخرى عن اليمين، فاكتشف وجود حفرة كبيرة أمامه.

 استخدم سمير المكابح بأقصى طاقتها، فعَوَت الدواليب تحته. زمجر ساخطاً:

"كان روَّحْنا ابن الكلبة!"

قال الضابط بعد أن أبدى تعاطفه مع سمير:

"ما تواخذني. الصراحة أنا ما جيت شوفك وبس. الحقيقة عندي مشكلة عويصة

 وعشمي أنك تساعدني بحلّها." ودون استئذان بدأ الضابط يحكي قصته:

"أنا يا حضرة الأستاذ الفاضل… تعرف الإذاعة القديمة بشارع النصر

؟ من أربعبن سنة وأكثر وأنا ساكن بعمارة الحجر اللي بين الإذاعة وقصر العدل

… عِشرة عمر يا محترم.. جاءنا إنذار بالإخلاء من أمانة العاصمة.. ومن ساعتها يا محترم ما نمت ساعة ورا بعضها."

رمق سمير وجه الضابط المتقاعد بنظرة سريعة ثم عاد لمراقبة الطريق. قال:

"القانون يضمن حق المستأجر، وفيه توجيهات واضحة لأمانة العاصمة

 بعدم إخلاء أي مواطن من بيته ولو كان قناً، قبل تأمين سكن بديل له".

شعر سمير بشيء من الحرج لطريقته الحماسية في الكلام. وقد ازداد

 حرجه عندما التفت الضابط إليه محركاً يديه باضطراب: "وهون المشكلة يا محترم".

أوقف سمير سيارته إلى يمين الشارع مقابل ثانوية التجهيز

. نظر نحو زقاق الصخر فرأى البندقية ثم رأى الضابط ينعر الدركي بطرف عصاه. قال:

"أنا موعدي خمس دقائق. فإذا ما كان عندك شغل، تفضَّل

 خدلك فنجان قهوة ريثما أقضي شغلتي، وبعدها ممكن نكمل حديثنا".

قال الضابط بحرج:

"أنا فزعان ضايقكم".

استدار سمير خلف السيارة. لمس الضابط عند أسفل كتفه مادَّاً يده إلى الأمام باحترام وعدم تكلُّف:

"معناها ما عندك شغل… تفضَّل".

نظر الاثنان نحو زقاق الصخر، وعندما تلاقت عيناهما، كانا يبتسمان بودٍّ حميم. قال سمير:

"تعرف يا سيادة العميد. لو ما حضرتك شرَّفت لحظتها، كانت روحي طلعت من تحت أظافري!"

اتسعت ابتسامة الضابط:

"لو ما جيت أنا كان إجا واحد غيري فلَّتكم".

"ممكن. لكن بين ما يجي الترياق من العراق كان الحبيب فارَق… ومن أكل الدبس علق على شواربه.."

مسح سمير وجوه روَّاد الهافانا. ألقى التحية باتجاه إحدى الطاولات. قال للضابط مشيراً إلى طاولة قريبة من الشارع:

"شرِّفوا سيادة العميد"

أعطى بطاقة"أصدقاء الهافانا" لعامل المقهى الذي استقبله بابتسامة ودودةٍ مرحِّبة.

سأل الضابط: "أركيلة؟"

لم يُبدِ الضابط رفضاً ولا موافقة. قال لعامل المقهى:

"نَفَسين أركيلة على ذوقك…"

التفت نحو الضابط: "سيادة العميد، قهوة الاكسبرس هون طيّبة".

أشار الضابط برأسه موافقاً فتابع سمير كلامه…"وفنجانين قهوة اكسبرس وممنونك سلفاً".

تأمّل سمير يدي الضابط المعروقتين الموضوعتين على الطاولة. لاحظ بقع

 الزمن المتريّب فيهما، وصفرة العقد في أصابعه الطويلة المكرنشة. فخيِّل إليه أنه يجالس رجلاً ميتاً.

تابع حركة يده البطيئة وارتجاف شفتيه الجافتين إذ تلتقيان

 عند حافة فنجان القهوة، وتفاحة آدم الضخمة التي

 تصعد ببطء كلما ابتلع شيئاً ثم تعود بسرعة.

 وبينما كان يقارن بين الصورة الماثلة

 أمامه والصورة المحفورة في الذاكرة

، حطَّت يدٌ على كتفه. صعَّد بصره إلى وجه الرجل، وعندما تعرف عليه، نهض بحيوية وتبادل معه العناقات والقبلات.

قال سمير: "أهلاً وسهلاً بـِ أبو صطيف. والله زمان يا رجل"

قال الشخص الآخر:

"ولو يا أبو سمرة.. الكبرة لله ليش ما رديت على رسائلي؟… قسماً عظماً اشتقت لك

. همس في أذن سمير "ولو أنك عبارة عن عرص".قال سمير فارداً يده اليمنى كما لو أنه يتَّقي بها الكلام:

"على مهلك… فيه وقت للخناق".

نظر إليه طولاً وعرضاً ثم قال: "يخرب بيت سنتك صاير مدحلة!"

ربَّت مصطفى على كرشه قائلاً: "أكل ومرعى وكثرة صنعة. والطابق الفوقاني أجَّرته مفروشاً… بسَطَك هالحكي؟"

أشار سمير بعينيه نحو الضابط ثم سأل مصطفى عما إذا كان يذكر قصته هو وسعيد عندما قبض عليهما دركيّ في زقاق الصخر وأطلق سراحهما ضابط شاب. فقال مصطفى: "طبعاً!"

تابع سمير كلامه: "يا سيدي، البارحة تذكرته وكتبت عنه زاوية. وقبل ما أقرأ الزاوية  الصبح، شفته بالجريدة!"

مدّ مصطفى يده ليصافح الضابط ثم هزّ رأسه مكرنشاً ذقنه: "أمّا شيء عجيب!"

التفت سمير نحو الضابط: "سيادة العميد، اسمح لي أن أعرّفك

 على زميل قديم وديق من أيام الجامعة… الأستاذ مصطفى رافع صحفي بارز في جريدة أصداء الخليج"

التفت إلى مصطفى: "قهوة؟"

قال مصطفى بحرج: "حبيبي أبو سمرة. قهوتك مشروبة، ومعي ناس بالسيارة. فقم أحكي لك كلمتين على الطاولة الثانية"

نهض الضابط متثاقلاً، فحلف سمير عليه أن يجلس ثم التفت إلى مصطفى: "إذا كان شغل، فاحكِ أمام سيادة العميد"

قال مصطفى بعد أن ابتلع لعابه:

"كلمة وردّ غطاها: أنت فهمان الموضوع مثلي

 وأكثر مني. Read the editorial to know the master.

وهذه القاعدة تنطبق على كل الصحافة العربية بلا استثناء، لكن بنسَب متفاوتة"

غمزه سمير ممازحاً: "خُشّ في الموضوع"

ابتلع مصطفى لعابه. نظر إلى الضابط ثم قال:

"جريدتنا بحاجة إلى رئيس قسم ثقافي كفء،

 وصاحب الجريدة أعطاني صلاحية الاختيار

، فشفت أن هالشغلة مالها غيرك. صحيح

 أنك سبق ورفضت فكرة العمل في

 الخارج لكني سمعت أن رئيس تحرير جريدتكم حارِق نفسَك وأن وضعك المالي تعبان، وصار

 عندك عيال وهالأشياء كلها جعلتني أتفاءل. شف أخي أبو سمرة، أنا ممكن أقترح لك بحدود 12 ألف درهم بالشه

ر. يعني فوق المية ألف ليرة، غير السيارة والبيت والمكافآت."

صمت مصطفى. مد يده إلى حافظة نقود عليها اسم فندق شيراتون. سحب منها بطاقة مذهَّبة الأطراف مطبوع عليها

 ايمه بحروف نافرة تحت شعار الجريدة التي يعمل فيها. خطَّ رقماً على قفا البطاقة. وضع طرف إبهامه تحتها

 وضغط على منتصفها ثم أفلتها، فأحدثَ صوتاً من النوع الذي يتفنن به لاعبو الورق. قال:

"من يومين اشتريت بيتاً بالمزة فيه تلفون. هذا رقمه. فاتصل بي قبل نهاية الأسبوع، لأني السبت…" أشار

 بيده علامة الطيران. "وأنا عازمَك على الغداء في أي وقت تحدده، ولا تؤاخذني. حالياً مستعجل".

غمزه بعينه اليسرى كي لا يراه الضابط "معي ناس بالسيارة وعندنا حسابات معقّدة". غمزه مرة أخرى "لازم نصفِّيها!"

نهض مصطفى بحيوية لا تنسجم مع صلعته وعمره الخمسيني الذي يبدو واضحاً عليه. قال:

"بانتظار تلفونك.. وإذا يوم فكرت تساعدني بتصفية حساباتي.." غمزه مرة ثالثة "تكون فضَّلت على رأسي.

 أصلاً ممكن تبقى عندي حسابات كثيرة ممكن ما أصفِّيها لضيق الوقت"

حيا العميد على الطريقة العسكرية وقال له بين الجد والمزح:

"الصراحة يا سيادة العميد، موقفك حدد مستقبل الشباب. فلو تركت الشرطي يأخذهم ويعمل لكل واحد

 منهم مَنفَضاً محترماً، لبَرَدَتْ رؤوسهم من زمان وتحسنت أحوالهم".

قال سمير بسخرية حادة:

"سعيد أبو جناد، تعيش أنت… وما ممكن تكون أحواله أحسن."

تسمَّر مصطفى لدقيقة وهو يستمع من سمير عن ظروف وفاة زميلهما سعيد. وفجأةً غيَّرَ سمير لهجته وقال بسخرية ودودة وهو ينظر عبر زجاج المقهى.

"إذا كانت سيارتك بويك كحلية وواقفة قدام القهوة، فمعناها أن حساباتك تزمِّر لك"

نقز سمير عندما رأى المرأة التي معه واقفة خارج السيارة وتزمّر له وتنقب عنه بين العابرين. سحب

 رأس سمير نحوه وهمس في أذنه: "فعلاً أنت عبارة عن عرص"

وانطلق. إلا أنه رجع بعد خطوتين ليودّع سيادة العميد.

راقباه عبر زجاجا المقهى وهو ينطلق بسيارته رافعاً يده. وعندما غاب، رانَ بينهما صمت ثقيل قطعه تحزيق كرسي الضابط المتقاعد وهو يحاول النهوض. ظنه يبغي الذهاب إلى المرحاض، لذا فوجئ به يمد له يده قائلاً: "أنا صار لازم أمشي."

قال سمير باستغراب وهو يقف: "ومشكلتك، بعد ما حكينا عنها!"

قال الضابط بأسى: "مشكلتي عويصة وحضرتكم رح تكونوا مشغولين بإجراءات السفر."

رد سمير بجدية وتأثّر: "طيب تفضل اقعد حتى أعرف أحكي معك"

جلسا في الوقت نفسه. قرَّب سمير رأسه من رأس الضابط باحترام يخالطه شيء من الأسى:

"أولاً هالعرض مو جديد. ثانياً صحيح الأحوال حايلة حبتين. لكن أنا ما حسمت أمري بشأن السفر

. ثالثاً كل مشكلة ولها حل. فتفضّل احكِ لي مشكلتك.."

شعر الضابط بشيء من الحرج لأنه تسرَّع في الحكم على سمير. قال وهو يعصر يديه كما لو

 أنه يريد استخراج الكلمات منها:

"المشكلة يا محترم أنهم عرضوا علينا بيوت مسبقة الصنع في حي الزاهرة. وأنا فوق أني

 لا أطيق الأشياء المسبقة الصنع، عندي وضع خاص. لأن مافيه غير راتبي التقاعدي وراتب زوجة ابني مطيع

. ابني الكبير صادق، هاجَر لكندة وانقطعت أخباره. وابني الصغير مطيع ربيناه عالمبادئ فطلع رأسه حامي

، وهو منقوع بالحبس من سبع سنين. وإذا جمعنا راتبي وراتب كنّتي، فالمبلغ ما بيكفي لتسديد قسط البيت الجديد

. وصدّقني يا محترم.. كل ما قارنت بين هالعمارة البديعة وبين العمارات المسبقة الصنع بتضيق الدنيا بوجهي."

حكّ سمير رأسه بشرود. قال: "طيب وشو سبب إنذاركم بالإخلاء؟"

"جنون يا محترم. قال الغرض من هدم عمارتنا هو الكشف عن القصر العدلي، وعمارتنا عمرها ثمانين سنة وأكثر. بينما القصر العدلي عمَّرَه شكري القوّتلي".

سأله سمير عما إذا كان متأكداً من أن عمر البناية المنذرة بالهدم ثمانين سنة فأجابه بالقطع.

 عندئذٍ تذكر سمير أنه ثمة قانون يمنع هدم الأبينة التي يزيد عمرها عن الخمسين سنة وتتمتع بقيمة معمارية خاصة.

استأذن من الضابط كما لو أنه تذكر أمراً عاجلاً. أجرى مكالمة هاتفية مع صديق له في

 أمانة العاصمة، ثم عاد ليجلس مقابل الضابط شارد الذهن. قال للضابط:

"المشكلة عويصة بالفعل. المشروع البلدوزر سعدون الكوفي

. وهو رجل فظيع ونافذ"

ارتخى فَكُّ الضابط وتهدّل وجهه كما لو أنه على وشك البكاء. عندئذٍ لمعت فكرة في

 رأس مير، فخاطب الضابط بحماس وهو يحرّك يديه بحيوية:

"مع ذلك لازم نقطع الأمل.العمارة عمرها أكثر من ثمانين سنة وقيمتها المعمارية واضحة

 وهي بالفعل جزء من الهوية الثقافية لدمشق. ولازم ننطلق من هالنقطة."

أطلق الضابط تنهيدة طويلة وهو ينظر إلى سمير بود:

"أنا شايف أن نغضّ النظر عن الموضوع. فمادام سعدون الكوفي وراء المشروع، فكل شيء عبث."

قال سمير وعيناه تلمعان بألق قديم:

"بالعكس، سعدون الكوفي أقوى منا بكل شيء عدا هالنقطة. لازم نركّز على ضرورة

 الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة، والحديث عن العمارة كجزء من هذه الهوية. وساعتها ممكن نحرجهم وحياتك"

أمام المقهى تبادلا أرقام الهاتف وتواعدا على اللقاء. شدَّ سمير على يد الضابط بكلتا يدي

ه. أراد الضابط أن يسأل سمير عما إذا كان ينوي قبول العرض الذي تلقَّاه للعمل

 في الخليج، إلا أنه أحجم في اللحظة الأخيرة ووقف يراقب سمير وهو يغيب في الزحام.

 

                                                                دمشق – 1988

سليم يطلب القسمة

قصة: حسن م. يوسف

إلى رجال عصرنا أطفال فلسطين

 

دفع البقرة من وركها فتنحّت

 جانباً. نظر إلى التنور عبر لوح الزجاج

 الوحيد في النافذة التي سُدَّت بقيةُ فتحاتها بِرُقاقاتٍ من الخشب المضغوط

. رأى في الوهج الواهن المنبعث من فوهة التنور صورة ظلِّيَّة لعبيدة

 وهي تحمِّل ابنتها شفيقة طبق الخبز الطازج على رأسها ثم تغطيه بطبق أكبر من القش كي لا يبلله المطر.

فرشَخَ كي لا يدوس في روث البقرة. قفز من فوق الصندوق الذي

 يسدّ الباب بين الغرفتين الترابيتين. تناول المنقل والرفش والصاج

 وخرج مهرولاً في الدرب الصاعد نحو التنور. وبما أن التنو

ر يُبنى عادةً بحيث يكون ظهره للدرب لتوفير الحرج على الخبَّازات

، فقد كان على سليم اليتيم أن يلتفَّ على التنور عبر الدرب الضيق

 الذي يحاذي جداره الأيمن. وقد فعل ذلك بسرعة خاطفة هرباً من

 المطر المنهمر بغزارة. لكنه ما أن استدار يريد الدخول حتى رأى

 أمامه امرأةً نصف عارية تنفض فستانها ولباسها في فوهة التنور

 ومؤخرتها البيضاء تهتزّ من عزم النفض. سمَّرته المفاجأة إلى أن

 شعرت المرأة بوجوده. فانفتلت نحوه ساترةً عريها بثيابها وزجرته بصوتٍ خافت خائف:

"انقشع من عندك ولاه!"

فاختفى بنفس السرعة التي ظهر بها وهو يضحك. كان يعلم أن النساء

 اللواتي تنتشر البراغيث في بيوتهن بسبب بعر الماعز، ينفضن ثيابهن

 في التنور ليخلصن من إزعاج البراغيث. لكن الواحدة منهن لم تكن تفعل ذلك

 إلا حينما تنطرها أخرى. ويبدو أن عبيدة الأربعينية توقعت أن "ينطرها" المطر

 الغزير الذي لم يتوقف عن الهطول منذ الصباح الباكر. ناسيةً أن سليم ينزح

 الجمر من التنور كل يوم ليتدفأ عليه. لم يشأ الابتعاد كثيراً رغم شعوره بالحرج

، لأنه لم يكن يريد أن يسبقه أحد لنزح التنور. كان المطر يهطل مائلاً

مسحوباً بالريح. فحشر نفسه في دورة جذع التوتة المنخورة

 التي تتكئ إلى الجدار الخلفي للتنور وتلفه

 بأغصانها من ثلاث جهات. غير أن رأسه

 ظل مكشوفاً للمطر. وضع الصاج على رأسه كالقبعة وجلس القرفصاء فبدا كفلاح صيني في أحد حقول الرز.

دغدغه إيقاع المطر على الصاج فابتسم. كانت مصابيح الكهرباء القليلة تزيد ليل الضيعة

 وحشةً وكان الضباب الزاحف يغلّف العتم بغشاءٍ من الخوف.

خفّ المطر أخيراً، فصعدت عبيدة الزاروب بحيوية حاملةً على رأسها طبقاً من

 القش فيه المئزر وقد قلبت فوقه قصعة العجين الفارغة المصنوعة من خشب الجوز.

تظاهر كل منهما بعدم رؤية الآخر. وما أن اجتازته ببضع خطوات حتى غطى

 المنقل بالصاج ووضع الرفش تحت إبطه وهرول منحدراً إلى التنور. شهق

 موحْوِحاً أمام فوهة التنور. أضاء الوهج وجهه المختلج. التقط نتفة خبز

 مما يعلق بجوف التنور. قرشَتْ في فمه، فغمغم باستلذاذ.

لاحظ أن عبيدة قد تركت له رغيفين على المرتبة فابتسم. أدخل الرفش

 في التنور. دفعه بعزم منحِّياً وجهه عن الوهج ثم أخرجه مترعاً بجمر

الأغصان الرفيعة. أعاد الكَرَّة. وحين امتلأ المنقل بالجمر غطَّاه بالصاج

 ووضع نصاب الرفش على مسكة المنقل كي تحوشهما يده، ثم انطلق نحو البيت بخطواتٍ قصيرة عجلى.

لم يكن بيتاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل زريبة من غرفتين: الشرقية

 مخصصة لطرش عمه المكون من بقرة وابنها وثلاث عنزات. والغربية

 مخصصة لسكناه. وعندما انصاع عمه

 لإلحاح زوجته وأمَرَه، منذ سبع سنوات،

 بالانتقال إلى بيت التراب الذي كان حتى ذلك الوقت مخزناً للتبن وزريبة

 للدواب. كان ذلك مدعاة سرور للجميع وعل رأسهم سليم. لعلمه أن عمه

 الذي لقَّبَهُ بـِ "النقَّاق" لم يكن يحبه أيضاً. وقد كان من ناحيته يبادل

 عمه الشعور نفسه ويلقبه "أبو لهب" وزوجته "حمّالة الحطب".

رغم ذلك كانت علاقة سليم بدواب عمه طيبة. فهو لم يكن يغلق الباب

 الفاصل بين الغرفتين في فصل الشتاء كي تتدفأ الحيوانات بناره ويتدفأ هو بأنفاسها. ولكي تعرف

 الحيوانات حدَّها كان يسد الباب بصندوق خشبي كبير مصفَّح بالتنك، قيل له بأنه كان صندوق عرس

 المرحومة أمه. ركَّز الكرسي الوحيد في الغرفة على مقربةٍ من المنقل ونشر سترته المبللة على مسنده

. تناول خرقة خام من تحت مخدته وجفف شعره بها. جلس على طرف السرير واضعاً قدميه على

 مسكتي المنقل وانحنى فوقه طلباً للدفء.

خفت دبيب المط على السطح، فأخرج من جيب سترته مشطاً سرَّح شعره به. نظر إلى ساعته. كانت تقترب

 من الثامنة والنصف. لبس سترته والبخار يتصاعد منها. نوَّس القنديل ثم أغلق الباب خلفه وغاب في العتم والضباب.

لم يكن سليم يشعر بالارتياح إلا في بيت الأستاذ حسين لأنه الوحيد الذي يعامله باحترام من بين الثلاثة

 الذين يملكون تلفزيونات ملونة في الضيعة. وهو لم يكن يحب الفرجة على التلفزيون العادي لأن الملوَّن

، على حد قوله، "غير حياة".

نشأ سليم يتيم الأب والأم منذ السنة الأولى من عمره، ورغم ما عانه في بيت عمه إلا أن ذلك لم يقلل

من حساسيته وكبريائه إن لم يكن قد زادهما، بحيث بات لا يطيق الإثقال على أحد. رغم ذلك لم يستطع

الانقطاع عن السهر في بيت الأستاذ حسين منذ خمسة أيام. لأن التلفزيون كان يعرض مسلسلاً يروي قصة يتيم مثله.

دقّ الباب واندفع داخلاً. قال مبرراً عدم انتظار الإذن بالدخول:

"ما شاء الله على هالمطرة. كلما طالت شدَّتْ!"

اعتبر الأستاذ حسين كلام سليم بمثابة التحية فابتسم له مربّتاً على البقعة المجاورة له على المدّة في

 صدر السيباط المزنَّر بالمساند.

"أهلاً سليم. ادخل لعندي".

تربَّع سليم حيث أشار له الأستاذ حسين. كان التلفزيون يعرض وقائع استقبال أحد الملوك العرب على

 أنغام الآلات النحاسية. تقدَّم قائد حرس الشرف. لوَّح بالسيف ثم وضعه بين عينيه مقدِّماً نفسه بأعلى صوته. التفت سليم إلى الأستاذ حسين وسأله بجدية: "الزلمة قدامه… ما بينه وبينه متر. ماله عمَّال يصيح؟"

رد الأستاذ حسين بجدية: "تعبيراً عن الاحترام"

لم يفهم سليم علاقة الصياح بالاحترام، إلاّ أنّ الأستاذ حسين لم يعطه الفرصة ليسأل عن ذلك،

 إذ التفت إلى زوجته قائلاً باحتفالية مبالغ بها: "هاتي حطِّي عشا"

هبّ سليم مصالِباً ساقيه تحته مُقْسِماً بحياة المرحوم والده أنه قد تعشّى قبل مجيئه. وأتبَعَ ذلك بفتح

 يديه والتوجه إلى أعلى داعياً: "إلهي وأنتَ جاهي، يخلِّي لك أولادك ويشحِّدَك صحّتَك ويديم عليك نعمته. يا كريم"‍

رد حسين مبتسماً: "إذا متعشِّي.. صبِّي له كاسة شاي كبيرة تدفِّئ له بطنه"

أردف سليم قائلاً بخجل: "إلهي يوجِّه لك الخير يا آدمي يا ابن الأوادم".

بدأ الأولاد يصخبون بشكل لم يعد يترك مجالاً لسماع ما يقوله مذيع التلفزيون الأجلح.

 فتغافل الأب عنهم مكتفِياً برؤية الصورة. لكن ما أن ظهر على الشاشة شارع مغلق بالحجارة

 والبراميل والدواليب المشتعلة وظهر أولاد وشباب وبنات يرشقون الحجارة حتى صرخ الأب بحزم:

"ولا صوت… أنت وإياه‍"

علا صوت المذيع كفقاعة هواء من قاع بحيرةٍ من صخب: "فرانس برس، نقلاً عن مصادر

 فلسطينية أن المواطن الفلسطيني مصطفى قلوب قد استشهد إثر إصابته برصاص الاحتلال

 أثناء المصادمات التي جرت بين المواطنين العرب وقوات الاحتلال في مدينة نابلس

 بالضفة الغربية. ونقلت الوكالة أن خمسة وعشرين فلسطينياً قد جرحوا برصاص القوات الإسرائيلية في قطاع غزة.."

لم يعد سليم يسمع الكلام إذ أخذته بكليته صورة جندي إسرائيلي يضرب شاباً فلسطينياً بالهراوة

 على أم رأسه وجندياً آخر يسحب فتاة في حدود الرابعة عشرة من شعرها. غمغم مغتاظاً:

"شوف هالعكروت شوف"

إلا أن الحزن الذي ارتسم على وجهه تلاشى إذ رأى حجراً يصيب أحد الجنود في كتفه فيتلّى موجعاً.

نهز في مكانه ناظراً فوق التلفزيون لاشعورياً كما لو أنه يريد رؤية وجه الفتى الذي رشق الحجر بحماس:

"من يد ما تعدَم. عيني الرب اللي خلقك"

راقب حسين الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحنٍ هارباً من رمايات الجندي

 وعندما اختفى الولد في أول دخلة بين البيوت، تنهَّدَ سليم وقال للأستاذ حسين: "شفت؟ والله يا عمي هالصغار كبار"‍

أعجب الأستاذ حسين بكلمة سليم فقال له مبتسماً:

"كلامك صحيح‍ يا أخي، إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر".. وشعبنا حي من يوم يومه

. شفت كيف أولادنا عمالين يتحدُّوا البارودة والمدفع والدبابة بالحجر والمقلاع والنقيفة، شفت؟"

صمت سليم ثم قال بشرود: "أولادنا بالحجر والمقلاع والنقيفة… ونحن بالحكي"

نقز الأستاذ حسين عند سماع تلك الكلمات واحمرَّ وجهه. رغم ذلك التفت إلى سليم وقال له:

"بشرفي كلامك صحيح"

إلا أنه لم يقل شيئاً آخر حتى نهاية المسلسل.

خرج سليم من بيت الأستاذ معتكر المزاج لأن شبيهه بَطَلَ المسلسل اليتيم قد افتُرِيَ عليه وأُدخِل السجن، ولأنه

 أحرج الأستاذ دون قصد. وقد ازداد سليم ارتباكاً عندما أصرّ حسين عليه بأن يأخذ مشمَّعَهُ ومصباحه الكهربائي

 لأن العتم كان حالكاً والمطر ينصبُّ من أفواه القرب.

كانت السيول تغدق في الزواريب ساحبةً معها التربة والحجارة. وكان سليم يقفز من بقعة لأخرى متفادياً السيل

 عندما رأى على بعد خمسمئة متر من بيته كتلة سوداء في منتصف الطريق. لم يكن الضباب قد انقشع تماما

ً فظنّ أن الكتلة السوداء ضبعاً. لكنه ما أن سلَّط عليها ضوء المصباح، حتى ميَّز فيها إنساناً مطروحاً في مجرى السيل.

كان جعفر الشيخ منسدحاً بمعطفه الأسود وسط الزاروب كسلحفاة قُلبت على ظهرها، والسيل يكاد يغمره

. سحبه سليم من ذراعه، قرَّب وجهه منه فزكمت أنفه رائحة العرق الحريفة التي تفوح من أنفاسه المرتعشة

. سلَّط ضوء المصباح على وجهه فبدا كالميت وبدت صلعته وقد انشمرت كوفيته عنها، شديدة البياض

 قياساً إلى وجهه المحروق بالشمس.

وضع سليم رأسه تحت إبط جعفر. سحبه خارج السيل. أسنده إلى الرعش ثم زقَّله على ظهره ومشى به

 وسط المسيل بينما كانت الحجارة المجروفة بالسيل تنقر قدميه بشكل موجع.

دفع سليم باب غرفته بأم رأسه، فانفتح. أجلس ججعفر على الكرسي الوحيد فيها. مال يميناً فعدله

 قبل أن يقع. هزّهُ من كتفيه. لم يُبدِ أية استجابة. رفع فتيل القنديل. اكتشف في الضوء أن قطعة

 النايلون التي ثبَّتها في الشتاء الماضي إلى عوارض السقف الخشبية قد تمزّقت تحت ثقل ماء

 الدلف الممتجمِّع فيها. استدلَّ من بقايا الماء المروِّم في خفسة السرير أن ذلك حدث قبل لحظاتٍ

 من دخوله. لاحظ عدة دلفات جديدة إلا أنها جميعاً كانت بعيدة عن المنقل، لحسن الحظ.

 حافظ البيت على شيء من الدفء. حرَّك الجمر بالملقط فانطلقت منه موجة من الدفء والوهج.

هزَّ جعفر من كتفيه مرة أخرى. تحسَّس جبينه براحة كفه. كان بارداً كالموتى، وعلائم الازرقاق بادية عليه.

رفع اللحاف المكوّم عند نهاية السرير فأدرك أن البلل لم يطله. شلح الفراش فوق كومة

 الحطب الصغيرة في زاوية الغرفة اليسرى. خطا من فوق الصندوق إلى الغرفة الأخرى

. رمى بضعة أحضان من العشب الميبَّس عبر فتحة الباب. ثم دخل مثلما خرج. سوَّى

 العشب الميبَّس فوق شبك السرير. نزع عن جعفر معطفه

 وسترته. مدَّده على السرير. فرد اللحاف فوقه. دحرجه يميناً فشمالاً حتى

 اندرج في اللحاف اندراج التبغ في ورقة السيجارة..

أضرم النار في الثفيَّة. وبينما كان يكسر الأغصان ويلقي بها في النار لاحظ

أن الماء قد نبع من الحائط الأيسر فلم يحرّك ساكناً لأن المياه كانت قد رسمت

 على الأرض خطاً متعرجاً ينتهي تحت الباب. تناول المصباح وخرج. كانت

 الريح قد بددت الغيم تماماً أما المطر فقد ظلَّ على اشتداده. زمَّ رقبته إذ لسعه

 الهواء البارد ومضى نازلاً إلى بيت جعفر قافزاً من حجر إلى حجر متفادياً السيل

. استعادت ذاكرته صورة الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحن ثم يختفي

. خبط باب السنديان بكفه ثلاث مرات فجاءه صوت حبابة من الداخل:"روح نام مطرح ما كنت سهران يا عديم الدين".

صاح بصوتٍ عالٍ: "افتحي خالتي حبابة أنا سليم"

فتحت المرأة الباب فأصدر صريراً حاداً مزعجاً. قالت بلهفة: "يا قلع عيني شو صار؟"

رد سليم بلهجة مطمئنة: "ما صار شي.. تطمَّني. فيِّقي لي ابنك أنا بحاجته"

نخرت المرأة متحسّرة:

"إلهي يفجعني فيه وبعكروتته. والله يا غالي عشقان بحرف القلع. وكل يوم ما تخلص سهريته قبل طلوع الضو"

أراد سليم أن يرجع إلى البيت دون أن يقول شيئاً لكن حبابة استوقفته عند الباب قائلةً:

"بِحَضِّي الله بعتَك. البيت نبع وما عندي حدا يسوكرلي وراه.. اطلع افتح لي

 طريق للسيلة أحسن ما تاخد البيت. إلهي يحرسك ويحميك ويعمي عنك عيون الظالمين"

بعد نصف ساعة عاد سليم إلى بيته مبللاً حتى النخاع رغم المشمَّع الذي يرتديه

. سلَّط ضوء مصباحه الكهربائي على وجه جعفر. كان يغطُّ في نوم عميق

. ألقم النار بضعة عيدان فانتعشت. غيَّر ثيابه السفلية بأخرى جافة. نشر

 ثيابه وثياب جعفر فوق أغصان الحطب قرب النار. جلس على الكرسي

 واضعاً قدميه على مسكتي المنقل مدثِّراً نفسه ببطانية مههلة. وعندما

 كاد أن يغفو نزلت دلفةٌ على أم رأسه. لم يكن راغباً بالنهوض من جديد،

 فتناول المشمع وأدخل رأسه في قبعته المخروطية. وعلى إيقاعات الدلف وزخّ المطر وصرير الريح، أغفى.

قبيل الفجر رأى جعفر الشيخ نفسه في الحلم مخوزَقاً بسيخ ضخم يدخل من دبره

ويخرج من كتفه. وعلى يمينه عملاق ضخم بعينٍ واحدة يقلِّبه فوق نارٍ عظيمة.

جال بعينيه الحمراوين في غرفة سليم التي لم يدخلها سابقاً، فرأى مقابله

 كائناً أكثر غرابة من ذاك الذي كان يشويه في الكابوس. ظنه عزرائيل، فأطلق شهقةً كادت روحه تطلع معها.

أفاق سليم على الصوت فرأى جعفر يحملق فيه. قال له بلهجةٍ يختلط فيها الخوف بالمزاح:

"ما لك؟ أرعبتني!"

نحَّى سليم المشمع ذي القبعة المخروطية عن رأسه، فغمغم جعفر بلهجة يمتزج فيها السُّكْرُ بالبلاهة بالذعر:

"يحرق مراكعك…! عهد الله فكرت حالي بجهنم!"

رد سليم متهكِّماً:

"يا سيدي ماكتير غلطت!"

ضحك الرجلان بسعادة وصفاء، وليس من ضحك أسعد وأصفى من ذاك الذي

 يعقب الخوف. هيّأ سليم إبريق الزوفا وأضرم النار في الثفية. وعلى طقطقة

 الأغصان تنهَّد جعفر قائلاً وهو ينظر إلى سليم بمحبة:

"لمعلومك، لولا المقادير، كان ممكن تكون ابني، لأني بأيام شبابي كنت عشقان أمك، ولما طلبتها، تقدَّم

 لها والدك وتزوجها لأنه ابن عمها وأحقّ بها"

فوجئ سليم بهذا الكلام فابتسم لجعفر. وبعد برهة من الصمت قال سليم:

"من سنتين حكى لي (عبود سريّا) أن أمي ماتت طقيق. ولما سألته عن قصده ما رضي يفهّمني"

غمغم جعفر مغضباً:

"أي والخضر والأئمة العشر وكل عيد ونذر ماتت طقيق!"

توتَّر وجه سليم. قال بلهفة: قل لي كيف ماتت؟

رد جعفر بحزن: مات وخلص. الله يرحمها.

ألحّ سليم على جعفر بالسؤال، فازداد تمنُّعاً وتحت وطأة إلحاحه المستمر صحا جعفر من السكر قليلاً فنهض يريد

 الخروج تحت المطر الذي لم ينقطع طوال الليل.

سحبه سليم من إبطه والدموع في عينيه: إذا كنت لا تريد أن تحكي، لا تحكي… اقعد حتى تنقطع المطرة.

سكب سليم الزوفا في كأسين صغيرين. قدَّم لجعفر واحداً منهما. خيَّم على البيت صمت لا يخالطه إلا عواء

 الريح في الشقوق ودبيب المطر على السطح. غمغم جعفر إثر رشفة من كأس الزوفا الذي يتصاعد منه البخار.

"على كلٍ.. صار لازم تعرف… آخرها لا بد ما تعرف"

استيقظت تلك الليلة الصيفية اللطيفة في رأس جعفر، فروى لسليم كيف انتعشت آماله بالزواج من أمه عندما

 كان طفلاً رضيعاً إثر وفاة والده بلدغة أفعى عقد جوز أثناء الحصاد، وكيف ضرب الطمع في رأس عمه

 كامل فخاف أن تعطي الرزقة التي ورثتْها عن أبيها، بعد موت أخوتها جميعاً بالشاهوق، للرجل الذي

 ستتزوجه. وبما أنه كان يعتبر تلك الرزقة ملكاً لأخيه الذي ورثه، فقد غافَل الجميعَ واشتغل شغلته.

احتقن وجه سليم بالدماء. قال بنفاد صبر: شو قصدك؟

قال جعفر مهدّئاً: شوف يا ابني.. اللي طاح راح و…

رد سليم بحدة: اللي طاح راح لكن لازم أعرف شو يعني (اشتغل شغلته"!

غمغم جعفر:

"يعني تزوجها! تزوجها غصباً عنها. قالوا أنه ربطها بالساموك، وأن امرأته تميرة الضبعة فتَحَتْ

 له ساقيها حتى اشتغل شغلته".

خيم صمت ثقيل على المكان، أدرك جعفر من خلاله أن المطر قد توقف عن الهطول، فلبس معطفه الذي لم يجف بعد ومشى إلى الباب مترنّحاً.

قال سليم دون أن يحيد بعينيه عن النار: وكيف ماتت؟

رد جعفر بصوت أسيان قبل أن يغلق الباب خلفه: ناس قالوا إنها وقعت عن كتف الشير.. وناس قالوا إنها رمت حالها.

**

غسل المطر وجه الدنيا ثم جاءت الريح فجففته.

صبيحة اليوم التالي فتحت تميرة الضبعة باب بيتها قاصدةً العين لتملأ لجّ الفخّار بالماء فأجفلت

 عندما جاءها صوت سليم من قفل شجرة التين العارية. لم تفهم شيئاً مما قاله فنخرت في وجهه قائلةً:

"شر عليك… فزَّعتني!"

قال سليم بجدية فيها الكثير من التحدي وهو يستعيد صورة الولد الفلسطيني وهو يركض بخط منحن

 هرباً من الجندي الإسرائيلي ثم يختفي في أول دخلة: نادي لي عمي أبو لهب.

نظرت إلى أعلى ولما رأت سليم ممسكاً نقيفته بيده، قالت بسخط:ما سامع الراعي… رح فلِّتْ البقرات يا جحش!

قال سليم بلهجة مهدِّدة لم تسمعها تميرة قبلاً: قلت لك نادي لي عمي أبو لهب.

رفعت المرأة يدها نحو السماء وقالت داعيةً: إلهي يفجعني فيك يا مهيَّف يا عدوّ الله.

شدَّ سليم نقِّيفته، وهو يرى الولد يرشق الحجر، ثم أفلتها، فانطلقت منها حصاة حوَّلت اللجَّ إلى شظايا صغيرة

. نظرت تميرة إلى مسكة اللج التي بقيت في يدها وقالت بذهول: ويلي أنا ويلي. بالظاهر جَنّ!

خرج كامل على صوت انكسار اللج، ففوجئ بسليم يصيح بأعلى صوته: يا سامعين الصوت، أنا داخل على الله وعليكم!

اجتمع معظم أهالي الحارة رغم الهواء القارس، قبل أن تنتهي تميرة من إخبار زوجها بما جرى

. صاح العمّ وقد لوى الغيظ حنَكَهُ: "إي بحظّي، لأحسب الله ما خلقك يا عكروت يا مصَرْصَع!

صاح سليم شاداً النقيفة نحو صدره: لا تشقلني بعينك وتحكي طالع نازل. قسماً بالله مستعد أقلع لك إياها.

سرى الخبر في الحارة كالحريق، فجاء الأستاذ حسين والشيخ حمد. قال الأستاذ حسين بهدوئه المعهود: خير يا أوادم؟

أجابه سليم بصوتٍ عالٍ: خير يصيبكم جميعاً. يا عمي أنا طالب حقي من هذا الظالم أبو لهب.

رغى العم وقذف سليم بعشرات اللعنات، لكنه اضطرّ أن يصمت أخيراً نزولاً عند رغبة الشيخ حمد.

قال الشيخ: انزل من عندك حتى نتفاهم.

شدَّ سليم مطاط نقِّيفته وصاح: لا وخالق الخلق ما حزرت! اسمعوا يا أوادم. هالمفتري عمي

 اغتصب أمي حتى يبلع رزقها، وأنا عمري عشرين سنة وما ممكن أنزل قبل ما ينضمن حقي!

سرى لغط بين الأهالي وبينما كان العم ينسلّ إلى البيت، قال ابنه الأكبر هيثم لسليم هازئا

ً: انزل من عندك بلا قلَّة عقل، أحسن ما أناولك حجراً ينزلك على رأسك!

صاح سليم مغتاظاً: "فَشَرْتَ يا واطي!"، ثم شدَّ نقيفته فانقذفت منها حصاة أصابت

 هيثم في جبينه فأخذ الدم ينزف منه بغزارة حتى غطى وجهه.

كان سليم صياداً بارعاً بالنقيفة، ولولا ذلك لمات من سوء التغذية. خرج العم كامل حاملاً بارودة دكّ في يده وما أن رأى

 الدم يغمر وجه ابنه هيثم، حتى صاح باهتياج: خذْ يا عكروت.

لكن جاره سلامة دفع البارودة في الوقت الملائم، فدوّى الطلق الناري في الهواء. صاح سليم من قفل التينة شاقَّاً

 قميصه بعنفوان: قوِّصْ يا جبان، قَوِّصْ!

وخلال لحظة شدّ نقيفته وقذف منها حصاة أصابت عمه في أذنه، فصاح متوجّعاً: آخ.. قتلتني.

غالَبَ الأستاذ حسين ضحكته، لكنّ بقية الحاضرين لم يكلّفوا أنفسهم عناء ذلك. الأمر الذي أغاظ العم فشتمهم،

 فلم يستطع حتى الأستاذ حسين أن يكبح ضحكته.

بدأ أولاد كامل يرشقون سليم بالحجارة لكنه اصطادهم واحداً فآخر. أخيراً رفع الأستاذ حسين يده فانقطع التراشق

. قال لسليم وعلى وجهه ابتسامة مشجِّعة: انزل من عندك. خلص.

ردّ سليم: وحقّ شواربك الغاليين ورأس المرحومة أمي، ما ممكن أنزل قبل ما أضمن حقي من هالمفتري. أنا

 صار عمري فوق العشرين ومن حقي آخذ رزقي وشوف حياتي. أنا طالب القسمة!

صاح العم مغتاظاً: حقَّك فلْطة بحنكَك يا مسخ!

التفت الأستاذ حسين نحو العم كامل وقال له: فعلاً حقّه يا عم كالمل.

صاح كامل كالملدوغ: نعم؟! شو تفَضَّلْت حضرتَك؟!

قال حسين متجاهلاً لهجة كامل العدائية: الشاب طالب القسمة. وهذا حقه.

صاح العم وقد أعماه الاهتياج: "فشرتَ أنت وإياه"، وهجم نحو الأستاذ حسين يريد        ضربه. قال الأستاذ

 حسين بشيء من الوعيد: "لمعلومك، الدنيا فيها قانون، والأيام أثبتت أنه ما ضاع حقّ وراءه مطالب".

وهنا التفت إلى سليم قائلاً بنفس اللهجة:

"انزل يا سليم من عندك. حقك انضمن!"

فنزل سليم من قِفْل التينة برشاقة، وقال لعمه والنقيفة بين يديه:

"سمعت يا مُفْتَرِ! أنا وأنت والزمن طويل"

ثم استدار صاعداً الزاروب إلى جانب الأستاذ حسين وعيناه تشعّان بألق جديد.

                                                                        دمشق – شباط 1990

الضيق

قصة: حسن م. يوسف

 

"إن عصرنا هذا هو عصر الضيق. أكلُنا ضيِّق، شرابُنا ضيِّق،

 زيَّنا ضيِّق، مسكَنُنا ضيِّق، مرتَّبُنا ضيِّق، تفكيرُنا ضيِّق،

 مطمَحُنا ضيِّق، أفقنا ضيِّق، عدلنا ضيِّق، عالمنا ضيِّق،

 مصيرنا ضيِّق، موتنا ضيِّق، قبرنا ضيِّق. الضِّيق.. الضِّيق.

.! افتحوا الأبواب والنوافذ… سيقتلنا الضِّيق! افتحوا

 الأرض والسماء… سيقتلنا الضيق! افتحوا الكون… سيقتلنا الضِّيق!

الضِّيق… الضِّيق…!"

 

جلست مقابله على كرسي القش الخفيض. انحنت نحوه بتوجُّس،

 فوقعت عيناه عفواً على نهديها الرخوين الذابلين عبر فتحة منامتها البنفسجية حائلة اللون.

"المسكينة… نشفتْ مثل العود".

وضعت يدها على ركبته برفق كما لو أنها توقظه. همست: البرغل خلص.

لم تكن بحاجة لمزيد، فهو يعلم مثلها أنها لا تطبخ البرغل

 عادةً إلاّ بطلبٍ منه، وأنّ الأولاد لا يأكلونه إلاّ عندما يقرصهم الجوع.

همست بأقصى ما تستطيع من هدوء وتعاطف: قم هات شيئاً نطبخه.

ابتلع لعابه فتحركت تفاحة آدم صعوداً ثم هبطت ضاغطةً جلدةَ عنقِه

 النحيل الطويل من الداخل كما لو أنها تكاد تشقُّها. قال محوِّلاً وجهه عنها بحرج: ما في مصاري.

شهقت مستغربةً: أمس قلت أنك اقترضت خمسمية ليرة من محمد!

أجاب مطرِقاً: صح.. وراحتْ!

قالت باستنكار وقد استعادت لهجتها الحلبية الصرفة: أشُّو؟ إي متى؟!

اختلجت شفته السفلى لاشعورياً: اليوم اشتريت بالفلوس

دخان مهرَّب، وقبل ما أبيع باكيت واحد، مسكوني وصادروا الدخانات"

أيقظها سائل دافئ تسلَّل عبر منامتها وبلَّلَ باطن فخذيها.

 رفعت ابنها الرضيع عن حضنها بنزق وصاحت

 موجِّهةً كلامها لشخصٍ ما خارج غرفة النوم حيث كانت تجلس مقابل زوجها:

"الله يا خدِك يا بنت الحَرام! قلت لك ألف مرة شخِّخي هالسعدان أخوكِ، ما سمعتي!"

اندفعت ابنتها الكبرى (ثورة) من الصالون إلى غرفة النوم. تلقَّفت أخاها

 الذي بدأ يبكي، وهرولت إلى الخارج بخوف، وهي تتوقع أن تضربها

 أمها بالشحَّاطة أو بفردة حذاء. لكن الأم كانت مشغولة عنها بشيء آخر. قالت بجدية يمتزج فيها التعاطف بالاحتقار:

"الدنيا مليانة بياعين دخان مهرَّب. فليش مسكوك أنت دون كل خلق الله؟ تلاقيك رحت لقدَّامهم وصرت تصيح…"

زمَّ شفتيه محملِقاً في الفراغ دون أن يردّ. تابعت الكلام: "ابن أختي عماد

، من سنتين يبيع دخان مهرَّب ماحدا مسكه ولا قال له ما أحلى الكحل بعينَك!… وكله شقفة ولد بالصف السادس!"

قاطعها مغمغماً: "… ابن أختك عماد طلع عنده شركاء عم يحموه. أنا كنت متلك مفكِّر أنّ الشغلة بسيطة.. قمت…"

ضربت فخذها الأيمن قائلةً بتفجُّع: العمى وا أنحسَنا!

قال لها مواسياً: احمدي ربك طلعت الشغلة بالفلوس وليس بالنفوس. الله سَتَر.

 ولو ما طلع رئيس الدورية ابن حلال وحنّ عليّ، كانوا كتبوني ضبطاً بالخمس

 كروزات وأحالوني للمحكمة. ساعتها كان القاضي عبد المعين ممكن يعملني

 ممسحة. فمن يوم ماعرف أني وراء اتّهامه بقبول الرشوة بقضية مجرم سوق الصاغة، وهو ناطر لي عالدَّعْسة"

نفضت يديها بنفاد صبر. استفزَّته الحركة. قال بسخط: لا تزيديها. الفكرة فكرتك

.. وأنا ما مصدِّق أصلاً كيف قلَّلْت عقلي وانْعَميت على قلبي وسمعت كلامك…

خبطت رأسها بكلتا يديها: ما باقي إلاّ أن تقول لي أني سبب كل مصائبك.

انفتح الباب ودخلت ابنتها الثانية عزَّة حاملةً أخاها الصغير من تحت ذراعيه

وقفاه العاري ملطَّخ بالبراز. قالت بارتباك: يامو، أخوي خالد خري على حاله.

انفجرت الأم صارخةً في وجه ابنتها الصغرى: ربي يقصف عمر أمك ويريِّحها من هالعيشة المسخَّمة معكم!.

نقل حسن نظره بين وجه زوجته المحتقن بالغضب وقفا

 ابنه الملطخ بالبراز. قوَّس شفتيه متفكِّراً ثم نهض. وعند الباب أطلق نفخة طويلة وخرج دون أن يلتفت.

اتسعت حدقتا عينيها عندما رأته يدخل خالي اليدين. أرادت

 أن تتكلم فرفع يده يرجو منها السكوت. تبعته إلى غرفة النوم. قال رداً على عينيها المتسائلتين:

"ما مشي الحال. كل الناس يشكون الضيق مثلنا.. وأنا ما عاد لي وجه أطلب من محمد.. دبِّري رأسك اليوم وبكرة فَرَج…"

قالت وهي تحاول كتم غيظها: يا ابن الحلال.. قلت لك البرغل خلص.

تملَّى وجهها الشاحب وشعرها الأسود المنسدل الذي فقد بريقه وبدأ

 يخالطه الشيب. توقف عند شفتيها المكرنشتين. شعر بحنان جارف

 إزاءها وبامتنان عميق لعمر الذي أعطته له. احتوى خدَّها الذابل

 براحته فأبعدت رأسها بنفور كما لو أن رقَّته المفاجئة قد أغضبتها

. قالت بجفاء: قلت لك البيت ما فيه لقمة.. إشُّو ما عم تفهم؟!

فوجئ بردّ فعلها فشفطَ الهواء من منخريه بتوتر مقوِّساً فمه مكرنِشاً ذقنه.

 قال بصوت متهدِّج: "وإذا يعني؟"، ثم نخر باهتياج. خبط صدره بيده

 اليمنى مطبِقاً قبضته على نهده الأيسر وشدَّ بقوة: "بقطِّع لك من

 لحمي؟ هاتي سكين لأقطع لك! أقسم بشَرَفي وعقيدتي بقطع لك

. إي العمى.. مفَكّرة أني عديم الإحساس. لا يا ستّ.. أنا شايف

 وفهمان كل شيء وما قادر أعمل شيء.. أصحابي حالهم

من حالي، وأنا ما عدت أعرف حالي..

ما بقي حدا إلا وله معي فلوس.. أ

خي العكروت بلع الموسم بحجة أن الأرض

 ما طالعت أجرة الشغيلة.. وأنا ما ممكن أبيع الأرض لأني حلفت للمرحوم أبي أني ما

 أبيعها.. وحضرتك رافضة تعيشي بالضيعة.. فتفَضَّلي قولي إيش ممكن أعمل؟

اختلجت عضلة فكه وقد ترقرقت الدمعة في عينه:

"أنا طول عمري كنت أعتبر حالي مواطن شريف. لكني اكتشفت البارحة

 أني غلطان بحالي وأني شريف غصباً عني، لأنه ما في قدَّامي شيء

 أسرقه.. أنا طول عمري كنت أعتبر التهريب سرقة لأموال الدولة والبارحة

 حاولت أشتغل بالتهريب، يعني حاولت أسرق! وانمَسَكْت. وأنا ما قادر أرتشي

، فلو ارتشيت ولو بليرة، فالقاضي عبد المعين رح يلبِّسني قضية وساعتها

 أصير أنا المرتشي ويصير، هو الحرامي، رمز الشرف والفضيلة. شرِّفي

 قولي لي إيش ممكن أعمل؟ المسيح عليه السلام بيقول: "ماذا ينفع

 الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه"… وأنا خسرت نفسي وما ربحت شيء!

تحشرجَ صوته. رمت نفسَها عليه، عانقته بحرارة فانخرطَ في نشيج مرير

. اخترقت دموعه منامتها الرقيقة لتبلِّل كتفها النحيل. هدهدَتْهُ كطفل

. مسَّدَتْ شعره بيدها النحيلة المرتجفة. غمغمت: ما قصدي…

قال بهدوء مفاجئ: اليوم جمعة. خدي الأولاد وروحي لعند أهلك وبكرة فرج.

قالت بين التذمُّر والانصياع: حال أهلي من حالنا. والكل صاروا يعرفوا

أن القصد من زياراتنا هو الأكل. المرة الماضية سمعت

 أخي عماد عم يقول لأمي عني: ماكفَّاها تزوجت واحد من غير طائفتها، وأخذته منتوف أباً عن جدّ!.

ربت على كتفها برفق. قبَّلها من عينيها الدامعتين. ابتسما معاً إذ تذكَّرا أغنية

 محمد عبد الوهاب: "بلاش تبوسني من عينيّ دي البوسة من العين تفرَّق".

نهضت دونما رغبة. التفتت إليه عند عتبة الباب فرأت في عينيه بريقاً غريباً لم تألفه فيهما.

أنصَتَ لوقعِ أقدام زوجته وأولاده على الدرج، وعندما تلاشت الأصوات

 في الأنين الغامض المنبعث من قلب المدينة تمدد على السرير

 وراح يفكر مغمض العينين. تذكَّر كيف تعرَّف عليها في المظاهرة

التي خرجت قبل حوالى ربع قرن احتجاجاً على تصريحات أبو رقيبة

 بشأن الصلح بين العرب وإسرائيل. كان يومها طالباً في الصف الثاني الثانوي

، اختاره مدرب الفتوة عضواً في لجنة الانضباط لتنظيم حركة الطلاب خلال المسيرة وأثناء إلقاء الكلمات.

ونظراً لما يتمتع به من طول قامة وأخلاق حميدة، فقد كلَّفَهُ المدرِّب بمهمة

 خاصة هي منع الطلاب من الانقياد لحماسهم الوطني واختراق صفوف

 الطالبات، وكانت هي يومها طالبة في الصف الثامن تقفز مؤرجِحةً شعره

 الأسود الناعم الطويل على كتفيها النحيلين وتهتف بحماس وغضب: بدنا ندوسه.. بدنا ندوسه!

وما أن تُرَدِّد الأصوات النحيلة الحادة صرختها حتى تكمل الهتف: لا بورقيبة بدنا ندوسه.

داست على قدمه أول مرة، فدفع الطلابَ المصطفِّين خلفه محافِظاً على مسافة الأمان المقررة

. واصلت الهتاف بحماسٍ أشدّ: بدنا ندوسه.. بدنا ندوسه!

وفي غمرة حماسها قفزت ثانيةً وداست على قدمه

 فقال لها ضاحكاً: اصحي تكوني مفكرة أني أبو رقيبة حتى عم تدوسيني.

لاحظت أثر دوستها على حذائه الأسود. التقت عيناهما

 لأول مرة. ضحكا بشقاوة وارتسم بين عينيهما خيطٌ من ضوء.

في اليوم التالي صادفها في طريقها إلى المدرسة. خبّأتْ ضحكتها

 بكفها لكنها لم تستطع أن تخبئ الفرحة في عينيها. في الأيام التالية

 تكررت الصدفة حتى صارت موعداً في الوقت نفسه من كل يوم

. أربكته رسالتها الأولى بفصاحتها وترتيبها، وعندما لم يعرف كيف

 يرد عليها، استشار خبير العشق والغرام في صفهم، فنظر إليه من

 طرفي عينيه وأعاده كتاباً بعنوان "رسائل العشاق". شعر بارتياح

 عميق حين عثر على نص رسالتها في ذلك الكتاب، وظل يضحك حتى فتحتْ أخته عليه الباب قائلةً بخوف:

"باسم الله الرحمن الرحيم. يا شحاري.. شو بيك عم تضحك لوحدك مثل المجانين؟"

شرع في نسخ جواب الرسالة من الكتاب، فشعر بالضيق. عندئذٍ مزَّق الورقة وكتب على صفحة أخرى:

"ردي على رسالتك على الصفحة 16 من الكتاب نفسه".

في الرسالة الثانية كتب لها إنه سينتظرها بعد الانصراف مباشرةً في حديقة السبيل.

وعندما التقيا سلمت عليه بيد مرتجفة وتابعا السير في ممرات الحديقة وق

د ربط الارتباك لسانيهما. لاحظ الشبه بينها وبين الشجرة المستحِيَّة

. الشعر الطويل المنسدل تقابله الأغصان الطويلة المنسدلة. الساق المستقيم

 باعتداد يقابله القدُّ الخيزراني النحيل. قال لها: بتعرفي أنك بتشبهي الشجرة المستحية؟

أطرقت برأسها إلى الأرض وقد اندفع الدم إلى خديها. وبعد بضع خطوات قالت: أبي يسميني  المستحية.

قبيل نهاية الدوام الدراسي، أخبرها أمام الشجرة المسحية

نفسها بأنهما قد لا يلتقيان بعد ذلك أبداً، لأن والده الذي يعمل

 مدرّباً برتبة مساعد في مدرسة المدفعية بحلب قد أحيل إلى المعاش، وسيعود معه إلى الضيعة.

لكنّ الظروف التي أخذت الوالد مدرّباً من مدرسة المدفعية، أعادت الابنَ تلميذاً إليها بعد سنتين.

ثلاثة أشهر ونصف مضت على وجوده في حلب. كان يشتهي

حضور فيلم سينمائي خلال الإجازات الساعية التي كانت تمنح

 له بعد ظهر اليوم الأخير من كل أسبوع، إلا أنه كان يمضي

 كل إجازاته وهو يتمشى بين الحي والمدرسة والحديقة على

 أمل أن يلتقيها. وعندما يئس من ذلك ذات يوم، ركض ليلحق بأحد الباصات

 النازلة إلى قلب البلد ليحضر فيلم "صوت الموسيقى" فوجدها في الباص

 مع أمها المسربلة بالسواد. شعر بقلبه يدق في عينيه فتختلج الرؤية فيهما

. كتب على قصاصة ورق: (الخميس القادم الساعة 3 في حديقة السبيل قدَّام المستحية).

اقترب منهما. تمسَّك بالعمود الذي تتمسك به. لاحظت الورقة فقرَّبت يدها،

 زعندما مسَّت سبابتها جانب خنصره، أطلقت شهقة خفيفة كما لو أنها تكهربت، وأخذت الورقة.

تذكر حبه العميق لها وحبها الجارف له وكيف استطاع هذا الحب أن يخترق

 الحواجز واحداً فآخر وأن يفرض نفسه كحقيقة راسخة على أهلها وأهله.

نهض عن السرير بعينين حمراوين. تناول حقيبته الجلدية ومضى إلى المطبخ.

 فرَدَ جريدةً على طاولة الطعام ثم أخرج كدسة من الأوراق وأخذ يكتب بخط جميل

 وبرشاقة أكسبته إياها السنوات التسع التي أمضاها كاتباً في محكمة الجنايات بحلب.

ألقت موظفة البريد الثلاثينية البدينة نظرةً باردة من خلال نظارتيها الطبيتين

 السميكتين، على غلاف الرسالة. وعندما قرأت اسم المرسل إليه تجمَّدت

ْ كما لو أن شخصاً خفياً قد قرص عجيزتها المترهِّلة.

مسحته بعينيها المتلجلجتين طولاً وعرضاً كما لو أنها تريد أن ترى خلال لحظة

 واحدة كيف يبدو الرجل الذي يجرؤ على توجيه رسالة لمثل هذا العنوان. ابتلعت لعابها. قالت: هويتَك.

قارنت بينه وبين صورته على بطاقة الهوية ثلاث مرات متوالية

 ثم سجلت المعطيات على الصفحة المقابلة لصفحة الإيصالات بدقة

وبخط واضح. وقبل أن تكتب اسم المرسل إليه على الإيصال بإيداع مادة مسجَّلة

، نظرت نحوه كما لو أنها تتوقع أن يتراجع، وعندما رأت وجهه الحيادي

 البارد أنهت عملها وأعادت له هويته مع الإيصال والمبلغ المتبقّي له من العشر ليرات.

في طريقه إلى البيت كانت تفاصيل حياته الماضية تغلي في داخله بسخطٍ لم يعتده.

 كان المارة يلاحظونه بنظراتهم وهو يلوح بيديه مكلماً نفسه كما لو أنه وحيد في صحراء.

أغلق الباب خلفه بقوة. بحث في خزانة الثياب عن شيء ما، ثم عاد إلى المطبخ الضيِّق

 ومعه جلابية بيضاء مهترئة تحت إبطها الأيمن. فرد الجلابية على الطاولة. ثبَّتها من الجهة

 الأخرى بقطرميز رب بندورة فارغ وقطرميز فيه القليل من السكر وشدَّها بيده من الجهة

 الأخرى فاختفت التجاعيد عنها. تناول قصبة التخطيط. بلَّها في قارورة الحبر الصيني الأسود

 وأخذ يكتب على صدر الجلابية بخط جميل:

خلاصة حكم

"باسم الله والشعب.

بما أن من ينجب أطفالاً ولا يستطيع إطعامهم غيرَ الذُل، هو مجرمٌ واجِبُ العقاب، فقد حكمت

ُ أنا الموقع أدناه حسن شداد في الجلسة المنعقدة بتاريخ 25 نيسان

1988 على المجرم حسن شداد بالإعدام شنقاً حتى الموت كي أكون عبرةً

 لمن يعتبر. وأهدي ميتَتي هذه لسيادة الـ… أملاً أن يكون نِعْمَ الزوج ونِعْمَ الأب لزوجتي وأولادي. والله أكبر"

 

في الساعة العاشرة والنصف من مساء ذلك اليوم، كان طبيب شاب نحيل القامة

 يكتب الشعر في غرفة الطبيب المناوب في مشفى الكندي بحلب. كان قد كتبَ:

 

"هذا المشفى يشبهني

في النهار ينشغل بمعالجة الآلام

في الليل ينأسِر بوحدته وآلامه"

 

تعالى طَرْقٌ شديد على باب غرفة الطبيب المناوب، فصاح بانزعاج: ادخل.

اندفعت ممرضة طويلة القامة إلى الغرفة وهي تلهث: يا لطيف الطُفْ!

وضع الطبيب القلم على المكتب بهدوء كما لو أنه معتاد على انفعالاتها الزائدة. "شو فيه؟"

جففت دمعةً من عينها اليمنى ثم همست:

"يا لطيف! واحد حاكم على حاله بالإعدام!

هرع الطبيب إلى غرفة الإسعاف. قال للمرضة وهو يتفحَّص الجثة: اتصلي بالشرطة.

تناول استمارة. التفت إلى الممرض: معه شيء يثبت شخصيته؟

تناول الطبيب الهوية من الممرض. كتب:

اسم المريض: حسن شداد

السن: 40 عاماً.

الطول: 170 سم

لون العينين: عسليتان.

الشعر: خرنوبي.

حالة المريض: وصل متوفِّياً.

أوصاف الجثة: بفحص الجثة عينياً لوحظ وجود أثر لأخدودٍ

 حول العنق مع وجود علامات اختناق على وجه

 الجثة وهذه الآثار تدل على استعمال حبلٍ أو ما شابَهَ.

يُحال إلى الطبابة الشرعية لتحديد سبب الوفاة.

تاريخ الواقعة 25 نيسان 1988

اسم الطبيب فؤاد محمد

توقيع

 

بدأ الناس يتدفقون إلى غرفة الإسعاف لقراءة خلاصة حكم حسن شداد على نفسه

، وعندما وصل رجال الأمن طردوا الجميع خارج الغرفة وأخذوا

 الجلابية ثم نظر قائدهم في عيني الطبيب وقال له كما لو أنه يلبغه قراراً:

"حادثة انتحار عادية"!

بعد ستة أيام قال الموظف المكلف بفتح البريد الخاص في مبنى

ً ضخم في العاصمة محاطٍ بالحراس، لزميل له: تصَوَّر، فيه

واحد قدَّم موته هدية. أمّا ناس مجانين بالفعل! تلاقي الواحد منهم وهو حيّ ماله قيمة، فشو رح تكون قيمة موته حتى يهديه!

نظر الموظف الثاني إلى زميله من طرف عينه فأطرق الموظف الأول

 بأسىً ثم كتب بقلم أحمر أعلى الرسالة: "للحفظ"! ووضع تحت الكلمة خطين نزقين.