أين أنت الآن أيها الضابط؟
قصة: حسن م. يوسف
* إلى وليد معماري
أطل رئيس
قسم المنوعات الثقافية في جريدة "النصر" برأسه الأجلح
عبر نافذة
مكتبه المفتوحة على قاعة المحررين. تنحنح بقصد
لفت
انتباه الشخص الوحيد الموجود فيها. وعندما التقت عيناهما قال:
"اتصل
رئيس التحرير وقال إن زاوية (بالمقلوب) لازم تكون بكرة عن عيد الجلاء".
أغلق
النافذة كعادته عندما يبلِّغ أحد المحررين أمراً لا يحتمل النقاش
. حملق
الصحفي سمير طارق برئيس قسمه القابع خلف النافذة المغلقة
فأصرّ
على تجاهله. نقَّل بصره بين الورقة المكتوبة حتى منتصفها وبين
الشوارع
المغمورة بالشمس النيسانية الدافئة… "راح المشوار عالصغار"!. مرر أصابعه عبر شعره
الذي
وخطه الشيب ثم أسند رأسه بكلتا يده مطلقاً تنهيدة تحولت إلى تنفيخة يمتزج فيها
نفاذ الصبر بالأسى.
لم يفاجأ،
فهذا الأمر يتكرر منذ سنوات في جميع المناسبات. رغم ذلك شعر بالسخط القديم
يتململ
في داخله فهو لم يتعود أن يتلقى هذا النوع من الأوامر دونما احتجاج
تنفيذاً
لوصية صديقه الأمريكي الشاعر والت وايتمان. مرت قصيدة وايتمان
عبر رأسه
بهدوء، كما في كل اللحظات الحرجة التي مر بها منذ سنوات:
إلى
الولايات
إلى كل
واحدة منها وكل مدينة فيها
قاومي
كثيراً وأطيعي قليلاً
لأن أية
ولاية أو أمة أو مدينة
تطيع طاعة
عمياء
لن تستعيد
حريتها بعد ذلك أبداً.
دفع باب
رئيس القسم قائلاً بسخط:
"أي متى
الله رح يتوب علينا من هالعادة؟ شرِّفْ قل لي إيش ممكن أكتب
في
زاوية ساخرة مثل (بالمقلوب) عن مناسبة وطنية مقدسة مثل عيد الجلاء؟"
هز رئيس
القسم كتفيه قائلاً بتعاطف صادق:
"والله
العظيم يا أستاذ سمير أنا مقتنع معك وباصِم لك بالعَشَرة ورئيس
التحرير
مقتنع كمان… لكن دق المي وهيي مي!.. على كل حال ما ضروري
هالزاوية
تكون ساخرة وتطالع الزير من البير.. اكتب لك كم جملة عاطفية بأسلوبك الأدبي
الحلو.. وكفى الله المؤمنين شر القتال"
نقز
الصحفي سمير طارق كما لو أن كرامته قد مُسَّت. قال باستخفاف:
"قصدك
أكتب إنشاء مثل غيري وأحكي عن الأبطال الذين استشهدوا [ليعلِّموا
الطيور
والبلابل أغاني العشق الأبدي للوطن والحرية].. لا يا أستاذ.. أنا لو
أردت
أن أكذب وأكتب مثل هالحكي السطحي الرَّخو ما كنت بقيت شقفة محرر طول عمري.. وأنت
أدْرى".
رغم ذلك
ذهب سمير طارق إلى الأرشيف علَّهُ يجد في أعداد السنوات
الماضية
فكرةً ما ينطلق منها. إلا أنه خرج بعد نصف ساعة بروح مغلقة
ويدين
مغطاتين بالغبار. في طريقه إلى الخارج توقف رئيس القسم عنده
لحظة.
قال له بلهجة ودودة: "نصيحة، خليك عالخط أحسن ما يجيبوك بنص الليل حتى تكتب زاوية
غيرها… خاطرك".
بعد نهاية
الدوام خيم السكون على الجريدة ولم يعد يشوشه إلا طنين غامض ينطلق
من
غرفة المصححين الذين يقارنون البروفات مع أصولها: واحد يقرأ والثاني يتتبَّعه.
أسند سمير
رأسه بكلتا يديه وشرد في عمره. عاد لأيام ما قبل الجلاء عندما
كان
طالباً في الإعدادية. تذكر المظاهرة الوحيدة التي شارك فيها مع
زملائه
ضد الاحتلال الفرنسي.. رأى نفسه يهتف.. ثم رأى نفسه يعدو
مع
زميله سعيد نحو زقاق الصخر هرباً من رجال الشرطة الذين
يطاردونهم
بالبواريد من شارع بيروت. بدا له المشهد دخانياً وبعيداً
كأنه
لم يحدث يوماً. إلا أن وجه الشرطي الذي انشقت الأرض عنه
أمامهما
كان واضحاً لدرجة أن سمير ما يزال يذكر الشامة السوداء
الصغيرة
عند طرف شاربه الأيمن. أما الضابط الوسيم صاحب العصا
القصيرة
الملفوفة بلسان من الجلد الصقيل، فقد بدا بعيداً في البداية لكنه
كان
حاضراً لدرجة أنه كاد يشم رائحة الكولونيا من بشرته الغضة الحليقة.
مرَّر
الصحفي سمير طارق أصابعه عبر شعره الذي تخلله الشيب. تسمَّ
ر لحظةً
إذ لمعت الفكرة في رأسه فبرقت عيناه بشدة وبدا وجه ذلك
الضابط
يكبر ويزداد وضوحاً حتى غطى شاشة ذاكرته كلها.
قطَّب
جبينه محاولاً إيجاد مدخل للفكرة. انتزع غطاء القلم الناشف. كتب:
"تنام
جمرة الجلاء في قلوبنا إذ يهدهدها الزمن، فننساها وقتاً نمضيه
غرقى
في شؤوننا اليومية وشجوننا الشخصية. لكن جمرة الجلاء
تستيقظ
في السابع عشر من كل نيسان تخلع عن نفسها قمصان
الرماد
وتتوهج في قلوبنا لتضيئنا بذكرى شهداء الاستقلال الذين
ضحوا
بأرواحهم في سبيله، وبنضالات الوطنيين الشرفاء الذين
كافحوا
لأجله، فننتبه مجدداً لوجودهم البسيط الحي فينا، كأشقاء للهواء
… الهواء
الذي لا يعرف المرء قيمته إلا عندما يعزُّ وجوده".
لمح عاملَ
البوفيه يختفي عند نهاية الممر فاستوقفه بصوت مرتفع: "أبو كريم!"
أطلّ أبو
كريم بابتسامته العريضة المتهللة: "أمر.. أستاذ؟"
"كأس شاي
كبير، الله يخليك"
"من
عيوني.."
تابع سمير
الكتابة مقطِّباً.
"في ذكرى
الجلاء يرى الواحد منا ما تبدَّد من عمره دخاناً وما ترسّخ
منه
في جسد البلاد. يرى جلاءه الخاص به عبر إسهامه الصغير
في
الحياة من حوله. والجلاء بالنسبة لي سماء تحملها قامات
عاليات…
أرى بينها يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش
وصالح
العلي وابراهيم هنانو وحسن الخراط… إلى آخر الأبطال.. لكن جلائي الخاص
يضم
إلى جانب هؤلاء شخصاً آخر قد لا يعرفه أحد منكم. كنت أنحِّيه جانبً كلما كتبت
عن
الجلاء عاماً فعام. وها هوذا الآن يفرض نفسه على قلبي مطالباً بالإنصاف.
في أحد
أيام 1945 خرجت مع أبناء صفي في مظاهرة ضد الانتداب وأزلامه
. وبينما
نحن نهتف بحماس أطبق علينا رجال الدرك من الأمام والخلف
فتراجعنا
راكضين في طلعة التجهيز. وبما أنني كنت في آخر
المظاهرة
فقد وجدت نفسي في طليعة الهاربين. دخلت أنا وزميلي
سعيد
أبو جناد في زقاق الصخر الموازي لشارع التجهيز. وفي
منتصف
الزقاق خففنا سرعتنا إذ شعرنا بالأمان. وفجأةً انشقت
الأرض
أمامنا عن دركي يوجه بندقيته إلى صدرينا. لحظتها سمعت دقات قلبي وكدت أعملها في
بنطلوني.."
حكّ سمير
طاطرق رأسه متفكراً. شطب الجملة الأخيرة وتابع الكتابة: ".. أمرنا الشرطي
برفع
أيدينا والاستدارة باتجاه الحائط وعندما انصعنا لأمره سمعته يؤدي
التحية
لشخص ما وسمعت ذلك الشخص يأمرنا بلطف أن ننزل أيدينا.
استدرنا
في نفس الوقت تقريباً، فرأينا ضابطاً برتبة ملازم ينعر
الدركي
بطرف عصاه الملفوفة بلسان من الجلد الأسود ويقول له:
"من كل
عقلك ناوي توقفهم ولاه؟ العمى في عيونك هدول شبابنا… عماد الوطن"!
التفت
إلينا مغيِّراً لهجته لتصبح أكثر أبوية:
"يالله
شباب.. افركوها قبل ما يجي السنغال".
صحيح أنني
منذ ذلك اليوم لم أر وجه ذلك الضابط، إلا أنه ما يزال
واضحاً
في قلبي يذكِّرني في كل جلاء أن الاستقلال هو محصلة
عطاءات
كل الوطنيين، وأن بعض الناس أسهموا في صنع
الاستقلال
رغم أنهم كانوا على الطرف الآخر يأتمرون بأمر الانتداب.
والآن بعد
اثنتين وأربعين سنة ما أزال أجد ذلك الضابط في قلبي فأهمس في سري: أين أنت الآن
أيها الضابط؟"
رسم سمير
طارق مربعاً صغيراً في منتصف السطر وكتب اسمه. أعاد قراءة زاويته.
أضاف بعض
علامات الترقيم هنا وهناك. رسم مستطيلاً في أعلى
الصفحة
الأولى. كتب عنوان الزاوية داخل المستطيل: "أين أنت
الآن
أيها الضابط؟". مدَّ خطاً من الضلع الأيمن للمستطيل. كتب فوقه (بالمقلوب) وكتب
تحته ص 12.
ثم جمع
الأوراق بدبوس وأطلق تنهيدة ارتياح.
مرَّ
زميله حمد. عندما لاحظ أنه توقف عن الكتابة، دخل مسلِّماً:
"السلام
عليكم. شفتك غرقان قلت لحالي اتركه أحسن ما تقطع له سلسلة أفكاره".
ابتسم
سمير وهو ينهض:
"أهلاً
حمد. كنت رايح لعندك. إن شاء الله معك شي ميتين ليرة؟"
مد حمد
يده إلى جيبه. أعطاه ورقتين من فئة المئة ليرة ثم أشار برأسه نحو غرفة رئيس القسم
الشاغرة:
"سمعت
عياط.. خير؟ شوفيه؟ آ؟"
رد سمير
ساخراً وهو يضع المئتي ليرة في جيبه:
"شغلة
نايطة. الاسطوانة القديمة إياها".
**
صبيحة
اليوم التالي دخل سمير طارق إلى الجريدة بعيد العاشرة. قال لموظف الاستعلامات
بجدية:
"أولاً
مرحبا. ثانياً تفرّج على طولي! أنا جيت. فلا تقول للناس إني ما جيت، متل كل مرة".
ضحك أبو
بديع بحرج:
"أهلاً
بالأستاذ! حقُّه! قبل ما أنسى… فيه زلمة ختيار سأل عنك ثلاث مرات اليوم وقال ممكن
يرجع".
هز سمير
رأسه وهو يصعد الدرج قائلاً دون أن يلتفت:
"إذا رجع
دخله دوغري"
فتح
الجريدة على الصفحة الأخيرة وأخذ يقرأ زاويته بسرعة ليرى
ما
إذا كان رئيس التحرير قد حذف منها أو أضاف إليها شيئاً.
توقف عند
منتصف الزاوية، أخذ آخر رشفة من فنجان القهوة. وبينما كان
يعيد
الفنجان إلى الصحن، دخل الآذن أبو عبدو الذي تعود منذ زمن
أن
ينفث دخان سيجارته أثناء الكلام. قال لاوياً عنقه نحو رجل شيخ يسير خلفه بخطوات
قصيرة:
"أستاذ
سمير عندك ضيف"
قطع الرجل
المسافة بين الباب والمكتب ببطء شديد معطياً سمير طارق الفرصة لتأمله.
كان شيخاً
في حدود السبعين، يرتدي طقماً مكحوتاً من الجوخ الإنجليزي القديم
. على
أرنبة أنفه نظارتان مستديرتان زجاجهما السميك مغطى بطبقة من القشرة
والأوساخ
وكان يرتدي قبعة باكستانية زورقية الشكل أضفت على وجهه الطولاني
الضامر
لمسة غريبة جعلته يشبه الزعيم الباكستاني الراحل علي جناح.
دفع سمير
كرسيه إلى الخلف ناهضاً لملاقاة الرجل. قدم له الكرسي وجلس هو إلى مكتبه
. أسند
الرجل عصاه ذات الرأس النحاسي المقوس على شكل رأس نمر إلى طرف المكتب
. بلل
شفتيه مبتلعاً لعابه بارتباك. نظر إلى سمير بعينين غائمتين سرق الزمن ألقهما.
قال سمير
باحترام:
"تحب
قهوة.. شاي.. زهورات.. أو شراب بارد؟…"
رفع الرجل
يده اليمنى قائلاً:
"ممنون
فضلك"
لاحظ سمير
أن الرجل يعاني من ثقل في سمعه. قال بلهجة متعاطفة وهو يطلب رقم البوفيه:
"الزهورات
عندنا تمام"
غيَّرَ
لهجته قائلاً في السماعة:
"أبو
كريم.. واحد زهورات وواحد قهوة سادة".
أعاد
السماعة إلى مكانها ثم رحب بالرجل من جديد ليحثه على الكلام. فرك الرجل يديه
المعروقتين مطلقاً تنهيدة مكتومة.
"كل عام
وأنتم بخير"!
استغرب
سمير تهنئة الرجل له، فالناس لا يتبادلون هذا النوع من العبارات في المناسبات
الوطنية. رد:
"وأنتم
بخير ياعم.. خير..؟"
قال الرجل
بشيء من الحرج:
"خير
يصيبكم.. أنا قرأت مقالكم اليوم… الله يعطيكم العافية.."
تناول
سمير كأس الماء من صينية عامل البوفيه وكرع نصفها بعد أن ألقى
في
فمه حبتي "أسكربتين" على أمل أن تزيلا الصداع المتخلف من سكرة البارحة
. كان
واثقاً أن الرجل ليس من المعجبين بكتابته، إلا أنه لم يستطع تخمين سبب
زيارته.
مرّ أحد زملائه في الكوريدور حاملاً علبة سمنة، فاستوقفه قائلاً بحماس:
"أستاذ
علي، رقم 22 في هل سمنة هالمَرَّة؟"
رفع علي
حاجبيه علامة النفي، فالتفتَ وقد تذكَّر أنه مرتبط بموعد في قهوة الهافانا بعد
نصف ساعة:
"خير يا
عم؟ أنا مضطر أمشي بعد عشر دقائق لأني مرتبط بموعد. فقل لي كيف ممكن أساعدك؟"
قال
الرجل:
"عدم
المؤاخذة.. القصة المذكورة بمقالكم اليوم صارت معكم شخصياً أم أنكم سمعتوها من
شخص تاني؟"
رد سمير
باستغراب:
"طبعاً
صارت معي شخصياً."
قال الرجل
وقد تهدَّج صوته:
"وحضرتكم
ممكن تتذكروا ذاك الضابط إذا شفتوه؟"
ردّ سمير
باستغراب أكبر:
"طبعاً"!
ارتسمت
ابتسامة حزينة على وجه الرجل. رفع نظارته المتسخة عن أنفه ونظر إلى سمير والدموع
تلمع في عينيه.
لم يفهم
شيئاً للوهلة الأولى، لكنه شعر بالقشعريرة تسري في بدنه عندما رأى وجه ذلك الضابط
الشاب يطل من تحت وجه هذا الرجل العجوز ذي الوجه الناشف المغطى بالتجاعيد. هبَّ
واقفاً. ابتلع لعابه. قال:
"هو…
أنت؟"
هز الرجل
رأسه بالإيجاب فتقدم سمير منه بحيوية مفاجئة ليمنعه من النهوض، وطبع قبلةً على
كتفه الأيمن. حملق سمير بوجه الشيخ المضطرب.
"صحيح جبل
بجبل ما بيلتقي، لكن ابن آدم لا بدّ يلتقي! كيف الأحوال؟ والله العظيم أنا ممنون
الظروف لأني شفتك.."
شعر سمير
بالحيوية كما لو أن الزمن قد عاد به ربع قرن إلى الوراء. قال الضابط:
"من سنين
ما شعرت بالسعادة مثل اليوم.. أنا سعيد ومبسوط لأن نظرتي ما خابت. فأنتم طلعتم
عماد الوطن بالفعل".
قال سمير
وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حنينية عذبة:
"ليش شو
طلع منا غير الخيبات والبلاوي؟"
رد
الضابط:
"طلع أنه
بعدكم واقفين. غيركم شاف أقل بكتير وما تحمَّل.. على كل حال، هذا حديث يطول. قلت
لي أن عندك موعد".
نظر سمير
إلى ساعته بلهفة:
"أي والله
صحيح. عندي موعد بقهوة الهافانا. فإذا كان طريقك على البلد، شرِّف أوصلك ونحكي
أثناء الطريق".
ألقى
الضابط نظرة لا شعورية على كأس الزهورات الذي لم يشرب منه إلا رشفة واحدة. قال
وهو يتناول عصاه:
"مثل ما
تريدوا حضرتكم"
سأل سمير
الضابط عن رتبته عند تسريحه، ولما علم أنه كان عميداً قال بودّ:
"سيادة
العميد، أنا والله غشيم بلغة التفخيم، فرَيِّحْنا منها الله يخلِّيك"!
انطلقا
بسيارة سمير القديمة المستهلكة. قال الضابط:
"زميلك
الثاني. وين صارت فيه الأيام؟"
تلكأ سعيد
في الجواب لكنه سرعان ما أدرك أن الضابط يعني سعيد
أبو
جناد رفيق مغامرة الهرب من الدرك. قال سمير وفي صوته رنة حزن:
"يا سيدي
صار شاعراً ممتازاً. لكنه ظلَّ يحمِّلها حتى طقَّ ومات. الله يرحمه".
تجاوزته
سيارة بيضاء عن اليسار ثم قطعت الطريق فجأةً لأن سائقها أراد
تجاوز
سيارة أخرى عن اليمين، فاكتشف وجود حفرة كبيرة أمامه.
استخدم
سمير المكابح بأقصى طاقتها، فعَوَت الدواليب تحته. زمجر ساخطاً:
"كان
روَّحْنا ابن الكلبة!"
قال
الضابط بعد أن أبدى تعاطفه مع سمير:
"ما
تواخذني. الصراحة أنا ما جيت شوفك وبس. الحقيقة عندي مشكلة عويصة
وعشمي
أنك تساعدني بحلّها." ودون استئذان بدأ الضابط يحكي قصته:
"أنا يا
حضرة الأستاذ الفاضل… تعرف الإذاعة القديمة بشارع النصر
؟ من
أربعبن سنة وأكثر وأنا ساكن بعمارة الحجر اللي بين الإذاعة وقصر العدل
… عِشرة
عمر يا محترم.. جاءنا إنذار بالإخلاء من أمانة العاصمة.. ومن ساعتها يا محترم ما
نمت ساعة ورا بعضها."
رمق سمير
وجه الضابط المتقاعد بنظرة سريعة ثم عاد لمراقبة الطريق. قال:
"القانون
يضمن حق المستأجر، وفيه توجيهات واضحة لأمانة العاصمة
بعدم
إخلاء أي مواطن من بيته ولو كان قناً، قبل تأمين سكن بديل له".
شعر سمير
بشيء من الحرج لطريقته الحماسية في الكلام. وقد ازداد
حرجه
عندما التفت الضابط إليه محركاً يديه باضطراب: "وهون المشكلة يا محترم".
أوقف سمير
سيارته إلى يمين الشارع مقابل ثانوية التجهيز
. نظر نحو
زقاق الصخر فرأى البندقية ثم رأى الضابط ينعر الدركي بطرف عصاه. قال:
"أنا
موعدي خمس دقائق. فإذا ما كان عندك شغل، تفضَّل
خدلك
فنجان قهوة ريثما أقضي شغلتي، وبعدها ممكن نكمل حديثنا".
قال
الضابط بحرج:
"أنا
فزعان ضايقكم".
استدار
سمير خلف السيارة. لمس الضابط عند أسفل كتفه مادَّاً يده إلى الأمام باحترام وعدم
تكلُّف:
"معناها
ما عندك شغل… تفضَّل".
نظر
الاثنان نحو زقاق الصخر، وعندما تلاقت عيناهما، كانا يبتسمان بودٍّ حميم. قال
سمير:
"تعرف يا
سيادة العميد. لو ما حضرتك شرَّفت لحظتها، كانت روحي طلعت من تحت أظافري!"
اتسعت
ابتسامة الضابط:
"لو ما
جيت أنا كان إجا واحد غيري فلَّتكم".
"ممكن.
لكن بين ما يجي الترياق من العراق كان الحبيب فارَق… ومن أكل الدبس علق على
شواربه.."
مسح سمير
وجوه روَّاد الهافانا. ألقى التحية باتجاه إحدى الطاولات. قال للضابط مشيراً إلى
طاولة قريبة من الشارع:
"شرِّفوا
سيادة العميد"
أعطى
بطاقة"أصدقاء الهافانا" لعامل المقهى الذي استقبله بابتسامة ودودةٍ مرحِّبة.
سأل
الضابط: "أركيلة؟"
لم يُبدِ
الضابط رفضاً ولا موافقة. قال لعامل المقهى:
"نَفَسين
أركيلة على ذوقك…"
التفت نحو
الضابط: "سيادة العميد، قهوة الاكسبرس هون طيّبة".
أشار
الضابط برأسه موافقاً فتابع سمير كلامه…"وفنجانين قهوة اكسبرس وممنونك سلفاً".
تأمّل
سمير يدي الضابط المعروقتين الموضوعتين على الطاولة. لاحظ بقع
الزمن
المتريّب فيهما، وصفرة العقد في أصابعه الطويلة المكرنشة. فخيِّل إليه أنه يجالس
رجلاً ميتاً.
تابع حركة
يده البطيئة وارتجاف شفتيه الجافتين إذ تلتقيان
عند
حافة فنجان القهوة، وتفاحة آدم الضخمة التي
تصعد
ببطء كلما ابتلع شيئاً ثم تعود بسرعة.
وبينما
كان يقارن بين الصورة الماثلة
أمامه
والصورة المحفورة في الذاكرة
، حطَّت
يدٌ على كتفه. صعَّد بصره إلى وجه الرجل، وعندما تعرف عليه، نهض بحيوية وتبادل
معه العناقات والقبلات.
قال سمير:
"أهلاً وسهلاً بـِ أبو صطيف. والله زمان يا رجل"
قال الشخص
الآخر:
"ولو يا
أبو سمرة.. الكبرة لله ليش ما رديت على رسائلي؟… قسماً عظماً اشتقت لك
. همس في
أذن سمير "ولو أنك عبارة عن عرص".قال سمير فارداً يده اليمنى كما لو أنه يتَّقي
بها الكلام:
"على
مهلك… فيه وقت للخناق".
نظر إليه
طولاً وعرضاً ثم قال: "يخرب بيت سنتك صاير مدحلة!"
ربَّت
مصطفى على كرشه قائلاً: "أكل ومرعى وكثرة صنعة. والطابق الفوقاني أجَّرته
مفروشاً… بسَطَك هالحكي؟"
أشار سمير
بعينيه نحو الضابط ثم سأل مصطفى عما إذا كان يذكر قصته هو وسعيد عندما قبض عليهما
دركيّ في زقاق الصخر وأطلق سراحهما ضابط شاب. فقال مصطفى: "طبعاً!"
تابع سمير
كلامه: "يا سيدي، البارحة تذكرته وكتبت عنه زاوية. وقبل ما أقرأ الزاوية
الصبح، شفته بالجريدة!"
مدّ مصطفى
يده ليصافح الضابط ثم هزّ رأسه مكرنشاً ذقنه: "أمّا شيء عجيب!"
التفت
سمير نحو الضابط: "سيادة العميد، اسمح لي أن أعرّفك
على
زميل قديم وديق من أيام الجامعة… الأستاذ مصطفى رافع صحفي بارز في جريدة أصداء
الخليج"
التفت إلى
مصطفى: "قهوة؟"
قال مصطفى
بحرج: "حبيبي أبو سمرة. قهوتك مشروبة، ومعي ناس بالسيارة. فقم أحكي لك كلمتين على
الطاولة الثانية"
نهض
الضابط متثاقلاً، فحلف سمير عليه أن يجلس ثم التفت إلى مصطفى: "إذا كان شغل،
فاحكِ أمام سيادة العميد"
قال مصطفى
بعد أن ابتلع لعابه:
"كلمة
وردّ غطاها: أنت فهمان الموضوع مثلي
وأكثر
مني. Read the editorial to know the master.
وهذه
القاعدة تنطبق على كل الصحافة العربية بلا استثناء، لكن بنسَب متفاوتة"
غمزه سمير
ممازحاً: "خُشّ في الموضوع"
ابتلع
مصطفى لعابه. نظر إلى الضابط ثم قال:
"جريدتنا
بحاجة إلى رئيس قسم ثقافي كفء،
وصاحب
الجريدة أعطاني صلاحية الاختيار
، فشفت أن
هالشغلة مالها غيرك. صحيح
أنك
سبق ورفضت فكرة العمل في
الخارج
لكني سمعت أن رئيس تحرير جريدتكم حارِق نفسَك وأن وضعك المالي تعبان، وصار
عندك
عيال وهالأشياء كلها جعلتني أتفاءل. شف أخي أبو سمرة، أنا ممكن أقترح لك بحدود 12
ألف درهم بالشه
ر. يعني
فوق المية ألف ليرة، غير السيارة والبيت والمكافآت."
صمت
مصطفى. مد يده إلى حافظة نقود عليها اسم فندق شيراتون. سحب منها بطاقة مذهَّبة
الأطراف مطبوع عليها
ايمه
بحروف نافرة تحت شعار الجريدة التي يعمل فيها. خطَّ رقماً على قفا البطاقة. وضع
طرف إبهامه تحتها
وضغط
على منتصفها ثم أفلتها، فأحدثَ صوتاً من النوع الذي يتفنن به لاعبو الورق. قال:
"من يومين
اشتريت بيتاً بالمزة فيه تلفون. هذا رقمه. فاتصل بي قبل نهاية الأسبوع، لأني
السبت…" أشار
بيده
علامة الطيران. "وأنا عازمَك على الغداء في أي وقت تحدده، ولا تؤاخذني. حالياً
مستعجل".
غمزه
بعينه اليسرى كي لا يراه الضابط "معي ناس بالسيارة وعندنا حسابات معقّدة". غمزه
مرة أخرى "لازم نصفِّيها!"
نهض مصطفى
بحيوية لا تنسجم مع صلعته وعمره الخمسيني الذي يبدو واضحاً عليه. قال:
"بانتظار
تلفونك.. وإذا يوم فكرت تساعدني بتصفية حساباتي.." غمزه مرة ثالثة "تكون فضَّلت
على رأسي.
أصلاً
ممكن تبقى عندي حسابات كثيرة ممكن ما أصفِّيها لضيق الوقت"
حيا
العميد على الطريقة العسكرية وقال له بين الجد والمزح:
"الصراحة
يا سيادة العميد، موقفك حدد مستقبل الشباب. فلو تركت الشرطي يأخذهم ويعمل لكل
واحد