خفستان في الرأس
قصة:حسن م. يوسف
قال زميلي
لاوياً عنقه باشمئناط، رافعاً صوته
كما
لو أنه يريد أن يسمع الجميع:
"يا أخي
واحد ما يطيقك، يسلِّم عليك ليش؟ وإذا سلَّم عليك، فليش يبوسك؟ أنا والله ظاهرة
هالتبويس رح
تطيِّر لي
عقلي! كأنّ البوس لازم يزيد كل ما نقصت المحبة!"
قلت له
مبدِياً تعاطفي:
"معك حق
والله… يا أخي. هالبلد صارت مبوَسة!"
جاءني صوت
عامل الاستعلامات عبر سماعة الهاتف يقول أن ثمة شخص يريد
أن
يراني ودون أن أقف عند الاسم كالعادة طلبتُ إدخال الزائر. تابع زميلي كلامه
: "السافل.
البارحة يقول عني إني عميل أجهزة، واليوم يبوسني! بشرفك ما شي
…"
توقف زميلي عن الكلام عندما دخل عبر باب القسم رجل عريض المنكبين
في
حدود الخمسين من العمر. ذكر الرجل اسمي فنهضتُ للقائه. أطبق بيده الضخمة
القوية
على يدي، وبعد أن هزَّها ثلاث هزات متناغمة مع هزات رأسه الضخم
، سحبني
نحوه كما لو أنه يريد تقبيلي. ولما صار وجهي بمحاذاة وجهه – أي في
الوضع
المناسب لأن يقبِّلني – تجمَّد الرجل فجأةً مديراً لي خده بتعالٍ ودود كما لو
أنه
يفترض بي أنا أن أقبِّله! تجاكرتُ منه ونويتُ ألاّ أبدأهُ التقبيل لأنني لا أعرفه
ولأنه
هو الذي سحبني من يدي لا أنا الذي سحبته. استمر الوضع بضع ثوانٍ هكذا
، وعندما
وقعت عيناي على عيني زميلي الشامتتين، قررتُ تلافي هذا الوضع
المحرِج،
فلامستُ خدَّ الرجل الأيمن بخدِّي الأيس وخده الأيسر بخدِّي الأيمن
، ودعوته
للجلوس بينما كانت ذاكرتي تستعيد صورة خروتشوف إثر وصوله إلى
أمريكا
للمرة الأولى، وهو يهزّ يد جاكلين كندي (بحرارة) كي يرغم زوجها جون
على
مدِّ يده أولاً، حتى لا يُقال إنه (حَطَّها واطية له!)
نظر الرجل
إلى نقطة ما فوق رأسي بنفس الطريقة التي ينظر فيها الناس إلى
أبناء
أقاربهم الذين كبروا فجأةً. وبعد أن تملّى وجهي المشدود، هزّ رأسه إلى
اليمين
واليسار بحركةٍ طَروب وقال بلهجة فيها عتاب حميم: ما عرفتني؟!
صحيحي أني
ألتقي الكثير من الناس بحكم عملي في الصحافة، إلا أنني كنت
على
ثقة أنه لم يسبق لي أن رأيت ذلك الرجل في حياتي. ففي عينيه برود ألماسي
لا
يُنسى، وفوق حاجبه الأيمن خفسة عميقة كتلك التي توجد أحياناً على القشرة
الخارجية
للبطيخ الأحمر الكبير الذي ينمو في تربة كثيرة الحجارة
، تقابلها
خفسة ثانية لا تقِلُّ عنها عمقاً عند أعلى جبينه من الجهة اليسرى
. كما تغطي
وجهه الطافح بالعافية والرضى عن النفس لحية كثة أضفى عليها
المشيب
المتدرّج هيبةً ووقاراً. أما شعر صدره الكثيف الشائب بالتدرُّج الوقو
ر نفسه
فيوحي بأن لحيته من النوع التوسُّعي الذي يصل إلى اليدين و
أخمص
القدمين. قلت "آسف، ذاكرتي مشوشة.. ما عرفتك".
هزّ الرجل
رأسه بحزنٍ رصين. قال: شيء
مؤسف!
لكن مع ذلك توقعت هالشي".
فتح حقيبة
يده الجلدية. أخرج منها بطاقة زرقاء مطبوعة
. نظر إلى
البطاقة لحظو كما لو أنه يريد التأكد من شيء
ما، ثم
قدَّمَها لي وهو يراقب ردود فعلي بدقة.
ألقيت نظرةً
عجلى على البطاقة. رأيت صورة الرجل تتصدر الربع الأيمن من نصفها العلوي. وفوق رأسه
مكتوب
بين
قوسين: (بطاقة إعلام دولية رقم 1) وتحت الصورة كتب بحرف ناعم: الحكيم الموهوب في
المعارف العليا والطب. وتحته بحرف أكثر
وجاهة
وبروزاً. الحكيم العلاّمة شريف شمعو. وتحت الإطار الأسود الذي يجمع كل هذه الأشياء،
دُوِّن عنوان الرجل
في
الحي الغربي من إحدى مدن الشمال فتحت البطاقة بعد أن ألقيت نظرة اندهاش على الرجل،
فهزّ لي رأسه باعتداد
كما
لو أنه يأذن لي بالقراءة. فيلسوف عالمي أممي. يشفي الأمراض المستعصية. أعماله تشهد
له. إنه معجزة العصر و
التاريخ. له
خبرة عالية واسعة النطاق في معظم مجالات الحياة، سيَّما في الطب: شلل، فالج، سرطان
ذكري، جلطة قلبية
، تشمُّع
كبد، أوجاع البطن والمعدة والقلب، الروماتيزم وأوجاع العظم، الورم، دوخة الرأس،
الوسواس، الربو، زيادات
جلدية،
جراحة خارجية، تجميل الوجوه، العقم: رجالي ونسائي، وجميع الأمراض النفسية والعقلية،
العصاب والقلق
والخوف، وحل
الخلافات الزوجية ومشاكل الشباب. إنه شفى حتى الآن أكثر من ثمانين حالة مرضية صعبة
عجز عنها
الطب
المعاصر، وحلَّ أكثر من ستين مشكلة معقّدة، وبالتجريب أثبت جدارته للناس على مستوى
دولي.
ويقول:
"التجربة أصدق من شهادة على ورق". وقد صنع عجائب كثيرة. خلَّصَ ثلاثة مرضى من
السرطان.
شفى
مشلولاً بقوة الكلمة. أوقف القصف في لبنان برفع عصاه أمام شهود عيان بقوة الله
والإيمان. و
من أعماله
الفكرية جهَّز كتاباً عالمياً جديداً لا مثيل له في العالم بعنوان: "دين الأديان
وعقيدة العقائد".
طوَّر
الشرائع الإلهية وعظَّم القيم الإنسانية بأفكار نورانية حديثة فعالة في غاية تحقيق
الوحدة الإنسانية
عالمياً
في دين واحد وعقيدة واحدة للعالم قاطبةً لإنهاء النزعات العالمية وتحقيق السلام على
أرض كوكبنا كله
. من أجل
الحق والحقيقة: تابعوا أخباره وأعماله لخدمة الإنسانية العامة". أثناء قراءة
البطاقة نظرت إلى الرجل
مراراً
غير مصدق ما أراه، وفي كل مرة كان الرجل يهز رأسه مقطباً ما بين حاجبيه بحكمة ولسان
حاله يقول:
"إي نعم. هذا أنا"!
حملقتُ في
الرجل كما لو أنني أتوقع أن تطلع له قرون وأن تطول أظافره في أية لحظة. لكنه ظلّ
يبتسم لي مستمتعاً بدهشتي
إلى
حد غريب. لم يكن شكله يشجع على المزاح. فبنْيَتُهُ المتينة تمكِّنه بسهولة شديدة من
إرسالي إلى جوار ربي بضربة واحدة
. إلا أنها
حبكت معي، وعندما تحبك معي لا أستطيع بلعها حتى لو قطعوا رأسي! قلت للرجل بجدية
تامة: ما دمتَ أوقفت
القصف
في لبنان برفع عصاك أمام شهود عيان، فليش وطِّيتها يا رجل! كنت خليها مرفوعة كنت
وفَّرت علينا كل
هالدماء
وهالويلات!"
أجاب الرجل
بالجدية نفسها: "شو بدي أعمل خدرت إيدي!"
قلت له
بهدوء وبي خشية من أن ينطّ في أية لحظة ويحطّم مكتبي على رأسي: "طيب شو عندك وثائق
تثبت
هالكلام؟"
فتح الرجل
حقيبته الصغيرة بنفس الهدوء وأخرج بطاقة ثانية خضراء اللون عليها الديباجة الأولى
نفسها: "بطاقة
إعلام
دولية رقم 2". وضعتُ البطاقة جانباً ناوياً تأجيل قراءتها، فثبَّت الرجل عينيه
الألماسيتين الباردتين في وجهي
وحنى
رأسه إحناءة خفيفة آمرة فتناولت البطاقة وشرعت في قراءتها كتلميذ ينصاع لأمر أستاذه
الصارم. "فيلسوف
أممي
عالمي. وعالم متفوق حقاً.. ذاع صيته في جميع أنحاء العالم. نال إعجاب كبار المفكرين
ورجال الدين والأطباء
. تكلمت عنه
الإعلامات الدولية بأوصاف عالية".
طويتُ
البطاقة بحزم وقلت للرجل بهدوء: "مادامت الإعلامات الدولية تكلمت عن سيادتك فمعناها
أنك كنت
مسافراً
في الخارج؟".
أجاب الرجل
وهو يلفّ ساقاً على ساق على طريقة الممثلين المصريين عندما يؤدون أدوار الرجال
الخطرين في المسلسلات
والأفلام
التجارية: "لا… أبداً! الإعلامات الدولية هي اللي جاءت لعندي لهون حتى تأخذ
أخباري".
ابتلعتُ
ريقي محاولاً منع نفسي من الضحك: "طيب. معك أي شيء مما كتبته الإعلامات الدولية؟"
فتح الرجل
حقيبته الصغيرة باعتداد وبطء ثم قال قبل أن يُدخِل يده فيها: "الإعلامات الدولية
كتبت عني كثيراً. لكن بالحقيقة
والواقع
ما وصلني إلا أشياء محدودة منها."
قلت محاولاً
ضبط نفسي حتى النهاية: "طيب ممكن شوف أي شي معك.."
أخرج الرجل
قصاصة ورق صفراء أكبر من الطابع البريدي بقليل، من مغلّفٍ فيه صور ملونة.
قال:
"المريض اللي عم تحكي عنه الإعلامات هون، أنا شفيته بعدما عجز الأطباء. كان معه
تشمع كبد وبفضل عملية
الغسيل اللي
عملت له إياها كان ممكن يعيش عشرين سنة لو ما مات بالقرحة!"
طوى الرجل
قصاصة الجريدة قبل أن يسمح لي بقراءتها ثم أخرج مجموعة صور ملونة وفردها على المكتب
أمامي
، فإذا بها
صور مرضى ومشوهين جراح بعضهم مفتوحة ومتقيّحة.
جعلتني
الصدمة أقف على قدمي وسرت في أوصالي رعشة باردة. قال بانزعاج: "مابك قمت؟"
قلت بعد أن
ابتلعتُ لعابي: "رح جيب مصور يصوّرَك!".
بلحظة
استعاد الرجل ابتسامته: "إذا هيك معليش".
راقبت الرجل
وهو يأخذ وضعيات العظماء أمام الكاميرا فشعرت بالرثاء له. غير أني شعرت بالسخط وأنا
أفكر بالمريض
الآخر
الذي سمح له بطبع بطاقات إعلام دولية! يصف نفسه بأنه حكيم الحكماء وعالم العلماء
وعبقري الأجيال
رغم
أنه ليس إلاّ مريض المرضى وحسب. انتهى المصور من عمله فقلت للرجل بهدوء: "طيب يا
أستاذ.. هون مكان
عمل،
فقل لي بصراحة كيف ممكن أساعدك؟"
أشار الرجل
إلى صدره بإبهامه ثلاث مرات متوالية ثم قال باندهاش شديد: "تساعدني أنا؟"
قلت وقد
التَخَمْتُ لردِّ فعله: "إذا ما عندك مانع!"
شردَ في
نقطة ما في الفراغ، وبعد أن ماجَ إلى الأمام والخلف شقَلَني بطرف عينه وقال لي
بصوتٍ فيه الكثير من التأثُّر
: "أنا
هالقاعد قدامك وما معَبِّي عينَك… أنا بساعِد دول أنا… فما عيب عليك تحاكيني
بهاللهجة؟! أصلاً أنا غلطان
لأني
فكرت أنطلق عالمياً من بلدي… كان لازم أعرف أنكم ما بتلحَسوا إلاّ القفا اللي
بيجيكم من فوق…"
ووسط دهشتنا
جميعاً حمل حقيبته وخرج وهو ينظر إلينا باحتقار!
أحرجتني
ضحكات زملائي فأخذتُ الرشفة المتبقِّية من كأس الشاي البارد ثم أسندت رأسي بكلتا
يدي وأخذت أفكر بهذا الرجل الغريب وفي داخلي مزيج من المشاعر الغامضة.
أحسست من
خلال انحجاب نور النافذة كما لو أن شخصاً ما يقترب من مكتبي ولما فتحت عيني
تبيَّنتُ صحة إحساسي.
شدَّ الرجل
على يدي بقوة وحرارة ساحباً إياي نحوه ليصبح وجهي بمحاذاة وجهه وقبَّلني، فلم
أقبِّله! نظر إليّ بودّ
وهو
يجلس على الكرسي الذي كان يشغله ذلك الرجل قبل قليل. قال بلهجة ودودة فيها عتاب:
"ما عرفتني؟"
فجَّرت
الكلمة غيظي. فقلت للرجل بلؤم: "ولو! كيف ما عرفتك! أنت عباس بن فرناس"!
حملق الرجل
في وجهي بقلق ثم قال باستغراب: "شو صار لك يا رجل؟ أنا ابن خالتَك مصطفى!"
كان مصطفى
قد تغيَّر فعلاً خلال السنوات السبع التي أمضاها في بولونيا إلا أنّ الغيظ أعماني
عن معرفته،
فنهضتُ
وعانقته معتذراً. غمغم بين الجد والمزاح: "بشرفي فكَّرتَك جنيت!"
أجبته
باللهجة نفسها: "يا ريت يا مصطفى يا ريت… ساعتها كنت على الأقل بذوق لذة العيش اللي
بيحكي عنها الشاعر!"
دمشق – حزيران – 1989

الآنسة صبحا
قصة: حسن م. يوسف
مزموم
الرقبة يمشي كما لو أنه يتوقع أن ينزل على نقرته كفٌّ من السماء. يلقي السلام بصوت
نيء مزرزقاً
عينيه إلى
اليمين فالشمال: "إلهي ومولاي يعطيك العافية".
في حضرة من
يكبرونه سناً وقدراً يربص دونما حراك وعلى وجهه تلك الابتسامة المتوترة التي توحي
بأنه ينتظر
أن
يُضرَب على نقرته. وعندما يتوقف المتحدث لحظة لالتقاط أنفاسه يقول له مرفرفاً برموش
عينيه: "صدقتَ
يا
آدمي.. أي والله صحيح"
أما في حضرة
الناس العاديين فكان يلوي رقبته كما لو أنها تكاد تنقصف تحت ثقل عقله الرزين، ثم
يمسح فمه وذقنه براحتيه
اليسرى
فاليمنى على التوالي مغمغماً بورعٍ مبالغ فيه:
"إلهي لك
الحمد ورضاك الشكر.. يا كريم. إلهي وأنت جاهي تستر آخرتنا وتحسِّن حالنا يا سميع يا
عليم".
إلا أنه لم
يعد يجرؤ على فعل ذلك في حضرة ابن عمه حمد. فمنذ سنة وبضعة أشهر كان طاهر جالساً مع
عبدو حسي
والأشرم
وعباس عون تحت التوتة ينتظر انتهاء (زيق) المنقلة بين حمد والأشرم ليلعب. وعندما
بدأ الزيق يميل لصالح
الأشرم،
شرع طاهر في استذكار أدعيته مستجدِياً الإعجاب ممن حوله "إلهي يا حنان يا منان يا
رؤوف يا سلطان
…" فما كان
من حمد المغتاظ إلا أن رشق ابن عمه بما في يده من حصى المنقلة صائحاً فيه: "إلهي
ياخذك
ويريحنا
منك… يا ثقيل!"
نقز طاهر
كما لو أن الضربة التي طالما انتظر نزولها من السماء على نقرته، نزلت أخيراً.
قال
مرتاعاً: "لا.. ابن العم.. لا تغلَط!"
هزّ حمد
رأسه بنفاد صبر زاماً شفتيه كما لو أنه يبتلع دواء مراً. قال:
"اسمع!
قسماَ بالله إذا أنا لحقت النسوان وأنت لحقت الصلاة، الله رح يوفِّقني أكثر منك…"
قال طاهر
ماسحاً طرف أنفه بحركة لا شعورية: "ليش بقا؟"
"لأني رح
ألحق النسوان بنِيَّة طيبة.. أما أنت فرح تلحق الصلاة بنية عاطلة… يعني وَجْهَنة…
قدام الخلق!"
يومها سكت
طاهر كما لو أنه أُلقِم حجراً، فقد كان لكلام ابن عمه مبرراته. فطاهر مازال
يعيش
في بيت التراب الذي ورثه عن أبيه ولم ينجب أطفالاً رغم مضيّ اثني عشر عاماً على
زواجه. بل إن
زوجته
حسنة التي كانت حسناء الضيعة ذبلت بسرعة عجيبة وتكرنشت بشرتها كما لو أن طاهر ينفث
السم بين فخذيها
. أما
أحواله المادية فلم تتحسن كثيراً بالقياس إلى أسرته الصغيرة وعمله الكثير. لكن طاهر
كان يملك ما يُفاخِر به حقاً.
فبقرته
التي أسماها "صَبْحا" لعلامةٍ بيضاء على جبينها، هي من أجمل أبقار المنطقة وأكثرها
إدراراً للحليب. وهو
يستمتع
كثيراً بسرد القصص عن ذكائها العجيب لدرجة أن ابن عمه حمد لقَّبَها "الآنسة" واقترح
عليه أن يدبِّر لها واسطة
ويعيِّنها
مديرة لمدرسة الضيعة!
وقد كانت
الآنسة صبحا ذكية بالفعل. فبسبب تاريخها المشرّف في أكل الثياب قام طاهر بنصبِ
مَنْشَر متحرِّك على بكرتين
يمتدّ
من ركن بيته إلى قِفْل التوتة التي تقع على بعد عشرة أمتار منه. فكانت زوجته تبعد
الثياب بعد نشرها وتستعيدها
عندما
تجفّ. إلا أن الآنسة صبحا لم تنْطَلِ عليها العبة لوقتٍ طويل. فذات يوم استغلَّت
انشغال طاهر بقطف بنيَّات التبغ
وغياب زوجته
على العين، وظلت تلوك حبل القنب من الجهة المنخفضة حتى انقطع المنشر. ولو لم تنتبه
جارتهم عليما
لذلك
لكانت الآنسة صبحا قد قضت على نصف ثياب العائلة.
لكن ذكاء
الآنسة صبحا كان خطراً رغم تفاخر طاهر الدائم به. إذ كانت تضعه في خدمة جشعها وليس
من شيء
أخطر من
الذكاء عندما يوضع في خدمة الجشع. فقد اكتشفت الآنسة صبحا أن باب غرفة المؤونة
يُفتَح بالدفع إثر
سحب
شطفة خشب تُحشَر عبر ثقبٍ في الباب بشكل موارب بين الباب والجدار. وفي أحد أيام
الصيف الماضي
ظلت
الآنسة صبحا تعالج شطفة الخشب بخشمها حتى وقعت. فدفعت الباب بمقدمة رأسها ودخلت.
وبما أن صاري باب
السنديان
الثقيل يرَكَّب مائلاً لتسهيل عملية إغلاقه، فقد انغلق الباب خلف الآنسة صبحا.
شمشمت دربها إلى عنبر الحنطة
. التقطت
بضع حبيبات هرت على الأرض أثناء تعبئة الطحنة الأخيرة من العنبر. لمحت بضع حبات
أخرى من القمح تطل
ُّ من أسفل
"عين" العنبر التي هي بمثابة بووابة خشبية صغيرة محصورة بين مجرَييْن، فأخذت تلعط
البوابة بلسانها. وبما
أن
عين العنبر كانت متوسِّعة بعض الشيء بسبب كثرة الاستعمال، فقد ارتفعت البوابة
قليلاً إلى أعلى واندفعت من
تحتها
بضع حبيبات من الحنطة، ونظراً لذكائها الشديد فقد اكتشفت أن عين العنبر تفتح
للأعلى، فدفعتها بخشمها
. وبعد
لحظات كانت كل مؤونة بيت طاهر من الحنطة مكوَّمة أمام الآنسة صبحا.
خشَّ قلبُ
طاهر عندما لم ير بقرته أمام البيت، فنادى امرأته التي كانت تخبز على التنور ولما
أجابته بأنها لم تر
صبحا
هرول نازلاً في الزاروب موقناً أنها لابدّ أن تكون في "قصيل" ابن خاله سمعان الذي
أقسم بالتسعة وتسعين نبياً
أن يقصّبها
إذا أمسكها في قصيله مرة أخرى. شعر بالارتياح عندما لم يجدها في القصيل فهرول
مسرعاً يريد إنهاء
تعمير رعشٍ
مهدود في أرضه. إلا أن ابن عمه حمد دعاه لشرب كأس من الشاي، فزررَقَ بعينيه وقال
وهو
يزمّ
رقبته من جديد مستسلماً لإغراء كأس الشاي: