Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

ستّ المطر

قصة: حسن م. يوسف

 

*إلى "نحنحات" ابراهيم صموئيل

 

لم تلتفت لسؤال الحارس ذي البندقية الآلية الذي يذرع الرصيف جيئةً وذهاباً، متزنِّراً بجعبة محشوَّة بثلاث مخازن من الرصاص. تابعت طريقها بهدوء واثق لم يألفه في الناس العاديين. تبِعَها متوجِّساً. كرَّر السؤال عمَّن تريد. نظرت نحوه كما لو أنها لا ترى أحداً ثم التفتت نحو البراكية مخاطِبةً رئيس الحرس المنشغل بالتمرن على التوقيع على حواشي الجريدة. قالت بهدوء بين الرجاء والأمر:

"خبِّر سامي أنّ مدام حفار عالباب."

 

ارتبك رئيس الحرس عندما سمع اسم رئيسه ضابط أمن المقر مجرَّداً من رتبته وألقابه. تفحَّص السيدة الأربعينية الأنيقة فثبَّتت نظرها عليه منَحِّيةً غرَّتَها كما لو أنها على وشك أن تصعقه بشعاع منبعث من عينيها الزرقاوين. رفع رئيس الحرس سماعة الهاتف. ركَّب رقماً ثنائياً:

"احترامي سيدي!.. فيه مدام حار عالباب"

بعد لحظات من الصمت جاءه الصوت عبر السماعة بارداً كنصل قاطع: حفار مين؟

نقز رئيس الحرس عند سماع السؤال. خاطب السيدة بقلق: حفار مين؟!

لكنه لم يكد يلفظ العبارة حتى داهمه صوت رئيسه الساخط عبر السماعة فتجمّع كما لو أنه يتوقع رفسةً في قفاه: مليون مرَّة فهَّمْتك يا بَغل تعرف الاسم الثلاثي قبل ما تتصل!

رد رئيس الحرس وقد اربَدَّ وجهه غيظاً: قالت إنها بتعرفكم سيدي.

دقَرَ الصوت القادم عبر السماعة ثم أردف ببرودٍ ضجِر: فوِّتها لشوف.

أرشدها أحد العناصر إلى غرفة جدرانها معزولة بالفلِّين كاتم للصوت. طالعها في صدر الغرفة مكتب ضخم من خشب الشوح يجلس خلفه رجل طويل يرتدي بدلة سافاري. لحظها الرجل بطرف عينه إلا أنه تجاهلها وتابع الكلام في الهاتف دون أن يدعوها للجلوس.

"إي إي.. الموضوع منتهي. لازم ينفّذ العقوبة اعتباراً من اليوم.. لا.. ماعاد فيه مطرح للكلام. كلام المعلّم معلِّم الكلام.. مع السلامة."

في هذه الأثناء كانت المرأة قد جلست على إحدى أرائك الجلد الطرية ولفَّتْ ساقاً على ساق معطِيَةً فخذيها الحليبيين الناعمين فرصة الكلام.

وضع الرجل سماعة الهاتف. التفت نحو المرأة، فتظاهرت بالاستغراق في لوحة "الصيادين" للفنان لؤي كيالي التي تشغل صدر الجدار المقابل للكنبة التي تجلس عليها.

تنحنح قائلاً بصوتٍ صدئ: نعم يا مدام؟

نظرت المرأة في عيني مدير المكتب وخاطبته بلهجة تتأرجح بين الرجاء والأمر: لازم شوف المعلِّم.

فوجئ الرجل بكلام المرأة. ارتسمت عند زاوية فمه اليسرى بداية ابتسامة باردة هازئة زجرتها السيدة بنظرةٍ جريئة فيها وعيد خفي.

قال الرجل مستعيداً جديته بعد نحنحةٍ مزدوجة: طيب ممكن تقدمي طلب وتتركي عنوانك ولما يجي دورك…

قاطعته بلهجة حاسمة: لازم أقابل المعلم اليوم… وفوراً.

نقز الرجل كما لو أن شوكة قد نخزته في ظهره. ألقى نظرةً عجلى على المرأة وعندما أيقن أنها في كامل عقلها، قال: ليش؟… شو في؟

أجابته بلهجة هادئة واثقة: موضوع متعلق بالأمن الاقتصادي للبلد.

قرَّبَ رأسه نحوها قليلاً فبدا أنها قد أثارت فضوله: شو الموضوع؟

ابتسمت بإشراق مثبِّتةً نظرها في عينيه بجرأة أربكته:

"الموضوع top secret وما ممكن أحكيه إلا للمعلم شخصياً."

قال بلهجة قاطعة: شوفي يا مدام. مستحيل تقابلي المعلم إلا إذا عرفت مين أنتِ وشو غرَضك.. لذلك احكِ… أو مع السلامة"

قال المرأة بلهجة مبطَّنة بالضجر:

"أنا مدام سليم الحفار وبدي شوف المعلم لأني عرفت سر احتباس المطر."

فوجئ الرجل بكلام السيدة. غمغم دهشاً: احتباس شو؟

تابعت السيدة الكلام بطلاقة وثقة شديدة بالنفس: احتباس المطر. أنت تعرف أن البلد مهدد بالعطش والجفاف بسبب احتباس المطر وأنا عرفت السر.

ضحك الرجل فجأةً فتشنَّجَ وجهه بشكل غريب كما لو أنه لم يضحك منذ سنوات. زجرته السيدة بنظرة مؤنبة، فمسح جبينه براحة كفه وهو ينظر إليها دهشاً كما لو أنه يراها لتوه.

"وشو السر يا ترى؟"

أجابته السيدة برصانة: قلت لك أنه top secret وما ممكن أحكيه إلا للمعلم شخصياً.

ضحك الرجل من جديد، وقال من خلال الضحك: بس يا مدام… المعلم…

في تلك اللحظة رنّ أحد الهواتف الأربعة المصفوفة بجانب المكتب. عاد مدير المكتب إلى وضعيته الجادة بشكل مفاجئ. قال في السماعة بتهَيُّبٍ شديد:

"احترامي سيدي!… لا سيدي… بعد ما وصل.."

أصغى قليلاً ثم تابع بنفس اللهجة السابقة:

"كمان ما وصل يا سيدي.."

أصغى قليلاً ثم أضاف:

"لا سيدي.. ما في حدا إلاّ ستّ…"

رشقها بنظرة عجلى كما لو أنه يودّ التأكد أنها موجودة حقاً. تابع:

"ستّ عم تقول أنها بتعرف سر احتباس المطر!"

أصغى قليلاً ثم ابتسم بميكانيكية كما لو أنه ينفّذ أمراً عسكرياً. أضاف قبل أن يغلق السماعة:

"أمرك سيدي!"

نظر إلى السيدة وهو يضغط زراً مثبتاً إلى الجانب الداخلي الأيسر من مكتبه. وما أن رفع يده حتى دخلت إلى المكتب فتاة أنيقة في الخامسة والعشرين من العمر. أشار مدير المكتب للفتاة نحو أحد الأبواب، فخاطبت السيدة بلهجة مهذبة: ممكن تتفضَّلي معي؟

نظرت السيدة إلى مدير المكتب بعينين متسائلتين، فقال لها مبتسماً: المعلم وافَق يشوفك.

دخلت إلى غرفة صغيرة عبر الباب الذي أشار إليه مدير المكتب. أفرغت الفتاة نحتويات حقيبة السيدة على طاولة تتوسط الغرفة. تحسست الحقيبة بحركات مدرَّبة ثم تفحَّصت الأغراض واحداً تلو الآخر وهي تعيدها إلى الحقيبة.

التفتت الفتاة إلى السيدة وهي تبتسم. غمغمت: عفواً، ثم تحسستها بيدين خبيرتين في كل مكان من جسدها، وعندما انتهت قالت بلهجة عملية: شكراً تفضَّلي.

خرجتا من المكتب، وعندما رآها الرجل تقدم نحو الباب المغلف بالجلد وفتحه بالمفتاح ثم التفت إليها قائلاً: تفضَّلي.

نهض المعلم من خلف مكتبه الأبنوسي الذي تصطفُّ عليه ست هواتف بألوان مختلفة.

صافح السيدة وهو يبتسم، ثم أشار بيده إلى إحدى الأرائك الجلدية وجلس على أريكة تقابلها.

احتوتها الأريكة الوثيرة كما لو أنها تضمُّها. رفع المعلم رأسه لينظر إلى السيدة من أعلى ثم قال مغالِباً ضحكته:

"صحيح يا مدام بتعرفي ليش ما عم ينزل المطر؟"

نظرت السيدة إلى مدير المكتب الذي ظل واقفاً باستعداد عند الباب. ثم قالت بجدية:

"أي نعم.. بس السر ما لازم حدا يعرفه إلا شسيادتكم"!

قوَّس المعلم شفتيه باستغراب ثم أشار لمدير مكتبه بأن يخرج. وعندما أغلق الرجل الباب خلفه أطلق المعلم ضحكةً خفيفة مستظرِفاً هذا الموقف. قال وهو يبتسم:

"هاتي لشوف.. شو هالسِّر الخطير اللي ما لازم حدا يعرفه غيري؟"

في تلك اللحظة انكمشت المرأة كما لو أنها قد تحوَّلت إلى شخص آخر ثم قالت بلهجةٍ راجية:

"بصراحة يا سيدي أنا ما بعرف سر احتباس المطر ولا شي… أنا ست بيت عادية.. من سبع سنين قدَّمْنا طلب هاتف استثنائي وما رضيوا يركِّبوا لنا إياه! وأمي ختيارة مريضة بالسكري. تعيش لوحدها وكل يوم لازم أنزل للبريد حتى أطمئن عليها… وما شفت قدامي حتى قابل سياددتَك إلاّ هالطريقة…"

نظر المعلم إلى المرأة باستظراف كما لو أنه لا يصدّق أذنيه. ثم اتسعت ابتسامته لتتحول إلى ضحكة مجلجلة جعلت وجهه الشاحب يحتقن بالدماء.

ضحك المعلم.. ضحك طويلاً. وقبل أن يستعيد أنفاسه أخذ ورقة من حافظة أوراق متدرِّجة الحجوم. كتب فيها بضع كلمات بقلم أخضر ثم وقَّعها وهو يهزّ رأسه دهشاً إلى اليمين والشمال.

"بكرة إن شاء الله بتحكي مع أمك من بيتكم… تفضَّلي."

ناولها الورقة ثم ضغط زراً يتدلى من طرف المكتب. دار المفتاح في القفل ودخل مدير المكتب. وقف باستعداد حانياً نصفه الأعلى إلى الأمام.

"نعم سيدي!"

نقزت المرأة عندما اصطدمت عيناها بعيني مدير المكتب الباردتين المتشككتين، فالتفتت إلى المعلم قائلةً بجدية بالغة:

"رجائي يا سيدي يبقى الموضوع محصور بسيادتكم!"

انفجر المعلم بالضحك مجدداً. قال لها من خلال الضحك:

"طبعاً.. طبعاً..!"

ثم التفت إلى مدير مكتبه قائلاً:

"أوصلوا المدام لبيتها!"

جمع مدير المكتب يديه إلى فخذيه وانحنى مغمغماً:

"أمرك سيدي…!"

وفي مساء اليوم التالي…. هطل المطر!

                                        دمشق 1991

 

السهِّيرة

قصة: حسن م. يوسف

 

*إلى خطيب بدلة

 انشقّ الباب عن عارف بن حبابة فتبعته فتائل الثلج المدوِّمة إلى الداخل. فتل في مكانه ليتمكَّن من إغلاق الباب، ثم أخذ ينفض الثلج عن معطفه السميك ذي الأزرار النحاسية الذي استبقاه لنفسه من أيام الخدمة العسكرية. نقز حميدان شحود، قال:

"يقطعك الله، دق الباب! قطعت قلوبنا. فايت طحش متل الضبع!

أجابه عارف وهو يرتجف موحوحاً:

"أحووح.. شببوا النار… شببوها الله لا يحرمكم منها لا دنيا ولا آخرة! دخيلك يا رب لا تأخذنا بقِلَّة عقولنا! اما تلجة مهولة… تلجة عظيمة تحاكي فورة التنور."

ضحك الرجل من هيئة عارف. فقد كانت فتائل الثلج عالقة بحاجبيه وشاربيه. أما سيجارة اللف المتدلِّية من زاوية فمه اليسرى فقد حافظت على قوامها بسبب البلل رغم احتراق معظم التبغ الذي في داخلها. علَّق عارف معطفه بمسمار مدقوق في الساموك الذي يتوسط البيت الترابي، فتلقَّاه الرجال بعبارة الترحيب الهازئة. قال حميدان ابراهيم:

"قلقنا عليك يا آدمي! فكرناك عصيان بين سيقان مراتك"!

رد عارف وعيناه تلمعان بدهاء:

"إيدي بزنار أمك، ولتحت بشبر، حط لي كم عود على هالنار، يشهد الله روحي براس مناخيري!"

علَّق سلامة ماطاً كلماته كعادته:

"والله الشور شوري إذا روحك براس منخارك أنك تعطسها وتريحنا!"

لوى عارف عنقه وهو يضحك فسقط ضوء القنديل على لثته المغطاة بلطخات بنفسجية بعضها داكن، ولمع جسر الفضة في عتمة فمه كعيني ضبع في مغارة. أردف حمدان قائلاً:

"يا سيدي حتى لو عطسها، رح تبقى ست أرواح احتياط، لأنه قط بهيئة ابن آدم!"

استعرض عارف وجوه السهيرة في ضوء قنديل الكاز الشاحب، وعندما لاحظ أن ابراهيم صالح مغمض العينين في ظل الساموك بسط يديه في وجوه الرجال الثلاثة، كصياد وقعت عينيه على طريدة محرزة.

صالب عارف سبابته مع فمه ثم لواها إلى اليسار كمن يقفل شيئاً فخيَّم على الجلسة صمت عميق يتخلله عويل العاصفة الثلجية التي تعربد في الخارج. لوى عارف لسانه الملطخ بالقطران نحو ابراهيم صالح، ثم رغَّشَ عينيه كمن ينام وابتسم بخبثٍ طفولي. تهللت وجوه الرجال لمرأى ابراهيم نائماً، فهو عادةً أسهر السهيرة وقد اكتسب عن جدارة لقب "البخاخ" لأنه كان يبخّ من يسهى من السهِّيرة بالماء. بدأ الرجال يتفاوضون بالإشارات وعندما لم يتفاهموا أشار لهم عارف بأن يتبعوه إلى طرف البيت. أعاد طاهر شحود حبات المنقلة إلى جوناتها بكثير من الحرص ثم نهض لاحقاً بحمدان وسلامة. غمغم ضاهر وهو يدخل قدمه في صرمايته ناظراً باتجاه ابراهيم:

"ربي اجعلها نومة بلا فيقة!"

تجمع الرجال الأربعة وراء عنبر الحنطة قرب مربط البقرة فزكمت أنوفهم رائحة الروث الحادة الممزوجة برائحة القش وأغصان السنديان الخضراء. خارت البقرة إذ أحست بقرب الرجال منها، فتحرك ابراهيم فوق اللبَّاد معدِّلاً وضع يده تحت رأسه. وعندما همد من جديد أطلق حمدان تنهيدة ارتياح وقال بصوت هامس:

"تعالوا لعند المرتبة، دوَّخَتني هالريحة!"

مشى الرجال الأربعة على رؤو س أصابعهم نحو الباب وعيونهم مثبتة على ابراهيم.

منذ سنوات وهم يتساهرون لتبديد الضجر في ليالي الشتاء الطويلة الباردة. وفي معظم الأحيان كانت تأخذهم السهوة واحداً فآخر فينهض ابراهيم بخفة الفراشة، يخطف الطاسة عن المرتبة ثم يملأها من اللجّ دون إصدار أي صوت، ويختار موقعه بكل عناية بحيث تشمل البخَّةُ كل النائمين دفعة واحدة. همس عارف بن حبابة:

"اتركوه لي هالمرّة!"

قال سلامة وهو يشدّ أوتار رقبته النحيلة لسبب غير واضح:

"ما اختلفنا بس لازم نعرف الملعوب".

أردف حميدان مؤمِّناً على كلام سلامة:

"هاكلام صحيح، لازم نعرف".

رد عارف وعيناه تلمعان في ضوء قنديل الكاز:

رح خلِّيه يعملها بتيابه متل العجي الظغير!"

استفسر سلامة بلهجة فاترة:

"وكيف يعني؟ قصدك تحطّ يده بطاسة مي باردة؟"

سحب عارف الرجلين من مرفقيهما مغمغماً:

"خلص، اتركوا لي إياه هالمرَّة"!

قال سلامة محذِّراً:

"شهيد الله إذا خاوزت رح حطك محله"!

أشار عارف بيده أن اطمئنوا. جلس بجوار ابراهيم على اللبَّاد. كان ابراهيم أنه عائد من الميسرة وقد أمسك بفرخ حجلٍ قرر إهداءه لابنه عيسى. همس عارف في أذن ابراهيم:

"الله يكون بعوننا على هالنسوان يا أخي ابراهيم! بحضِّي محسوبات علينا نسوان مع أنهن زلم أكتر منا! إيديهن من الحشيش وقطع الحطب والعزا والشحّار أخشن من إيدينا! شفت لي أم عمر حرمة مأمور الحراج؟ أمّا شقفة حرمة يا أبو عيسى! بنت مدن يا عمي، معجعجة ومدملجة ومستوية متل الخوخة الريانة. بتعرف أن بيتنا مقابل بيتهم، ومن كم يوم طلعت أدحل السطح فشفتها بقميص النوم على البلكون، يا ساتر استر! وحياة من زرع هالعيون بوجهك، لما شافتني شهقت وقحصت لجوا متل الغزال، فاهتزّت خلفيتها رايح جاي كأن لها أربع خمس بطاريات عم يتخانقوا جوا قميص النوم!"

لكز سلامة عارف بكوعه. وعندما نظر إليه أشار له أنْ تخَّنتَها، فجمع عارف أصابع يده اليمنى وهزَّها، أنْ طوِّل بالَك. ثم عاد للهمس في أذن صالح النائم.

"إي أخي أبو عيسى… قلت لي أنك محشوك وحابب تطير مي! الشور شوري أنك تعملها مطرح ما أنت قبل ما نوصل لبين البيوت. عندك لجوة مستورة عن العيون وإذا كنت محشوك أحسن مطرح مطرحك. عجِّل أنا ناطر لك الطريق".

استرخى وجه ابراهيم قليلاً وفي تلك اللحظة غمس عارف يده بطاسة الماء فلم يستيقظ بل سرح من تحته جدول صغير أصفر شقَّ مجراه نحو الثفيَّة. عندها رشقه عارف بما في الطاسة من ماء فأفاق مرعوباً ودوّى ضحك السهِّيرة بينما كانت العاصفة الثلجية ما تزال تُلبِس الجبالَ دشاديشَ بيضاء.

 

                                                                دمشق – 1990

يا مدير!

قصة: حسن م. يوسف

 

 يوقف أسعد سيارة المرسيدس البيضاء أمام بوابة فندق المريديان كالعادة. يضغط على دواسة البنزين مرتين متواليتين كالعادة. يطل المدير من عمق البهو عندما يخفت أزيز المحرك كالعادة. تنفتح البوابة الزجاجية أمامه من تلقاء نفسها كالعادة. يواصل السير بخطوات هادئة مدروسة كالعادة. يهرع البواب ويفتح له باب السيارة الخلفي كالعادة، ولا يدسّ في يده ورقة نقدية كالعادة، بل يفتح باب السيارة الأمامي ويجلس إلى جانب سائقه على غير العادة!

ينطلق أسعد بالسيارة.

[ليس الويسكي هو السبب بالتأكيد! فهو عندما يسكر يزداد تمسُّكاً بالشكليات ومظاهر التفخيم. صحيح أنني رفيق طفولته وأستاذه في العشق، لكنه عندما أحضرني من القرية وعيَّنَني سائقاً عند، نبَّهني من أول سكرة إلى ضرورة إبقاء مسافة بيني وبينه – أمام الناس -  وقد ظلت تلك المسافة بيننا دائماً. فلماذا يزيلها الآن ويجلس إلى جانبي؟]

أثناء وقوفه على الإشارة الضوئية يلقي أسعد نظرة على المدير المستغرق في أفكاره فيسأله باهتمام ودود:

"خير معلم، في شي؟"

يهز المعلم رأسه بالنفي دون أن يقول شيئاً.

[أكيد هناك شيء خطير! فهذا ليس من تأثير الويسكي مطلقاً]

يفاجأ أسعد بالمدير يربِّت على كتفه بود:

"يا تُرى أنت بتحبني يا أسعد؟"

يرتبك أسعد. يبتلع لعابه.

"كيف ما بحبَّك وعظم أكتافي من خيرَك!"

ترتسم ابتسامة حزينة على وجه المدير.

"امشِ... فتحت الإشارة…"

ينظر المدير إلى أسعد المنهمك في قيادة السيارة.

[كان أبهانا وأكثرنا إحساساً بكبريائه. لكنه ترك المدرسة بعد أن مات والده بلدغة أفعى. كان جذاباً جداً وناجحاً مع الفتيات. بعكسي تماماً، ولهذا رافقْتُه – على جنينة الورد يشرب العلِّيق – وعلى جنينته شربْت. لكنني لم أكن أطيق نظرته إليّ فقد ظلّ يعاملني كتابع له حتى بعد أن تخرّجتُ من الجامعة. وعندما صرت مديراً تغير سلوك كل الناس ما عداه. كان ينظر إليّ من فوق كما لو أنني ضفدع ملتصق بالأرض وكان يصيح بتهكُّم:

"يا … مدير! كيفك يا مدير؟ جيت يا مدير! الله لا كان جابَك يا مدير!"

وقد شاعت كلمة "يا مدير" في البلد حتى صار الناس يستعملونها على الطالعة والنازلة! من يريد الوقوف يقول "يا مدير!" ومن يريد الجلوس يقول "يا مدير!".

وذات يوم رآني في ساحة القرية فاقترب مني متهلل الوجه وضربني "طيارة" على نقرتي صائحاً بلهجة ممازحة:

"وينك يا مدير… بالله اشتقنا لك يا مدير!"

بعدها صرت أخشى المجيء إلى البلد لأن الأولاد صاروا يلحقونني وهم يصيحون بسخرية:

"يا مدير!"

ذات يوم ذهبتُ إلى القرية ومعي ضيوف فوقف لي في منتصف الطريق مفرشِخاً ساقيه الطويلتين ناظراً إليّ من فوق كعادته:

"شو؟ يا مدير… شايف أن الكرسي الدوَّار دوَّخَك ونَسَّاك أصحابك!"

يا إلهي كم كنت أكره تلك النظرة! كانت تجعلني أشعر كما لو أنني ضفدع بالفعل. يومها شعرت برغبة هائلة في صفعه أمام الضيةف. لكن ابتسامته الودودة العذبة منعتني. سألته: "شو عم تشتغل يا أسعد؟" فضحك من أعماق قلبه قائلاً: "بصراحة يا مدير عطَّال بطَّال. خايف يفقسوا بيضاتي ويطلع منهم صيصان من كثرة القعود!"

تذكرتُ أني رأيتُه يقود سيارة عسكرية ذات يوم.

"بظني أنك كنت سائق سيارة بالجيش؟"

حكّ رأسه ضاحكاً: "صحيح خدمت سائق جيب واظ بمطار المزة."

يومها عرضتُ عليه أن يعمل عندي. وبعد مدة قصيرة، نسي الناس كلمة "يا مدير" لكنه عندما كان يشرب كان ينظر إليّ من فوق مثل أيام زمان ويربّت على كتفي قائلاً بلهجة ممازحة: "يا…مدير..!"

تصل سيارة المرسيدس إلى منتصف شارع الحمراء. يقول المدير:

"أسعد مر بالشعلان حتى ناخد فواكه".

ينعطف أسعد بالسيارة يميناً ثم يوقفها أمام أحد محلات الفاكهة التي تفتح حتى ساعة متأخرة من الليل لاقتناص الزبائن الدسمين. يترجَّل المدير وكذلك أسعد. يستقبلهما البائع بابتسامة عريضة مداهنة رافعاً كلتا يديه بالتحية:

"أهلاً وسهلاً.. شرَّفتوا.. أمر؟"

يقول المدير بلهجة رسمية متقنة:

"نقِّي لنا عشرة كيلو تفاح وعشرة برتقال وحط كل خمسة بكيس."

يرفع البائع يده ويضعها فوق رأسه محنياً ظهره بخضوع: على رأسي من فوق!

يحمل أسعد الأكياس ويضعها في السيارة بينما يدفع المدير الحساب.

طوال الطريق يظل المدير مستغرقاً في أفكاره. يوقف أسعد السيارة في باحة البناء. يقول المدير لأسعد:

"فوِّت لنا كيس تفاح وكيس برتقال والباقي خذه معك لأولادك"

يندفع الدم في وجه أسعد: ما كان في داعي يا أستاذ"

يلتفت المدير إلى أسعد كما لو أن كلمة أستاذ فاجأته، ثم يصعد الدرج المفضي إلى بوابة البناء بخطوات متثاقلة. يحمل أسعد الكيسين بيد واحدة ويلحق بالمدير وعندما يصبح خلفه تماماً يهمس بلهجة ودودة ممازحة: "يا مدير"!

يلتفت المدير نحو أسعد وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة متسائلة. يقول أسعد بجدية وقد بدا له المدير الأصلع شاحباً وعجوزاً تحت ضوء المدخل الممتزج بضوء القمر:

"وضعك اليوم مو عاجبني يا مدير".

يتابع المدير صعود الدرج دون أن يقول شيئاً.

[كم أنت طيب القلب يا أسعد! لو كنت تعلم ماجرى اليوم لما خاطبتني بهذه اللهجة الودودة. على كل حال أنت شريكي في المسؤولية. فأنت أول من وضع قدمي على درب الكذب. أتذكر عندما شكوت لك فشلي مع الصبايا؟ أنت الذي نصحتني بأن أكذب عليهن. لأن أعقلهنّ تصدِّق ما لا يُصَدَّق إذا قيل في إطراء جمالها وكمالها. ما فعلته أنا هو أنني وسَّعتُ فكرتَك. كذبت على رؤسائي في العمل فاكتشفت أنهم يصدّقون ما لا يُصدَّق إذا قيل في مدح عبقريتهم الإدارية ونزاهتهم وتفانيهم في خدمة الصالح العام. تظاهرتُ بأني إمَّعة عديم الطموح فأحبوني جميعاً ووثقوا بي، وقد كنت بارعاً في وضع ثقتهم تلك في خدمة مصلحتي العامة.

وهكذا كنت تلميذك في الكذب، لكني كنت دائماً أحتفظ لنفسي بالقليل من الصدق. وبسبب ذلك القليل يزعجني لُطفُكَ معي! أنت تزعجني!

يقول المدير الجملة الأخيرة بصوت مسموع وهو يدخل إلى المصعد. فيسمعه أسعد الذي يمسك له الباب. يقول أسعد بارتباك: عفواً أستاذ، إذا كان رفع الكلفة عم يزعجك فأنا آسف!

يضرب المدير جبينه براحة كفه كما لو أنه يريد إيقاظ نفسه من حالةالسكر الشديد.

"أنا قصدي شي تاني!"

يسأله أسعد بجدية: شو قصدك أستاذ؟

"قصدي أن سلوكك الرسمي معي، حتى لما نكون لحالنا، عم يزعجني! هات هالكياس… والله معك"

يفاجأ أسعد بهذه الانعطافة المفاجئة:

"أعوذ بالله! العين ما بتعلى عالحاجب"!

[ليس هذا من تأثير الويسكي إطلاقاً! لابد أن شيئاً خطيراً قد حدث. أنت فنان في الكذب يا مدير.. لكنك مكشوف بالنسبة لي].

يفتح المدير باب شقته بالمفتاح ويدخل يتبعه أسعد. يضع أسعد الكيسين على طاولة المطبخ ثم يمر بالمدير، يرفع يده بالتحية وهو في طريقه إلى الباب:

"تصبح على خير ما مدير"!

يغمغم المدير المسترخي فوق الكنبة دون أن يلتفت:

"وأنت من أهله"

تخرج زوججة المدير من غرفة النوم عندما تسمع صوت انغلاق الباب. تسأل زوجها بلهجة يمتزج فيها التأنيب بالحب بالاستخفاف:

"كمان اليوم سكران… يا … مدير!"

يتجاهل المدير زوجته الجميلة ويشرع في حل رباط حذائه. تُمعِن الزوجة النظر في وجه المدير وعندما تلتقي عيناهما تقول بقلق:

"عيونك حمر مثل الدم!"

يلتزم المدير الصمت فتخاطبه زوجته وقد ازداد قلقها:

"ما لك؟ كيانك ملخبَط من الصبح. خير؟"

يبتلع المدير لعابه كما لو أنه يبتلع دواءً مراً ثم يسند رأسه بأصابع يده اليسرى ويتجمد كما لو أنه يتدرب على وضعية الميت جالساً!

**

عند هذا الحد تصل القصة إلى عقدة لعينة، وعند العقدة تعلمون ماذا فعل النجار![1]

المدير الذي يتدرب على وضعية الميت جالساً وسكراناً لا يريد أن يفكر بما جرى مطلقاً. وأسعد الذي يفكر كثيراً بما جرى لا يعرف شيئاً مما جرى. وبما أننا لا نستطيع أن ننتظر ثلاثة أشهر حتى يقوم المدير بزيارة اطلاعية إلى أمريكا ويسكر حتى الثمالة في فندق هوليدي إن في نيويورك، ويروي حقيقة القصة لمدير آخر سيرافقه في رحلته تلك، لذا أجد نفسي مضطراً لسرد بقية القصة من منظور الكاتب العالم بحقائق الأمور، رغم أني بت أنفر من هذا الشكل في التعبير لأنني أشعر في أعماق نفسي منذ أن تَشْتَشَ الاتحاد السوفييتي السابق كخيمة من ورق تحت أمطارِ الكاتاسترويكا[2]، بأننا نحن معشر الكتاب موهوبون أكثر مما نحن موهوبون، ولا نعرف عن الأمور وحقائقها إلا أقل القلل.

**

قبيل طلوع شمس هذا النهار رأى المدير نفسه يدخل إلى المصعد شارد الذهن كالمعتاد. وفجأةً شعر بجسم معدني بارد يلامس صدغه. ثم رأى رجلاً ممسوح الملامح يطلق النار عليه من مسدس براوننغ 9 ملم. وبعدها رأى دماغه يتناثر على الجدران ثم رأى نفسه يسقط مترنحاً وقد فقد رأسُهُ استدارَتَه وصار كبطيخة مهشمة. وفي تلك اللحظة شهق المدير شهقة الموت و… استيقظ مذعوراً!

كان جسده مكسَّراً لكنه لم ير العودة إلى النوم خشية أن يعاوده هذا الكابوس اللعين الذي بات يراه أكثر من مرة أحياناً في الليلة الواحدة. تمطَّى متثائباً كاشفاً الحشوات المعدنية التي تملأ أماكن النخور في أضراسه. وضع دلّة القهوة على الغاز وذهب يبحث عن سيجارة. وجد علبة سجائره فارغة. بحث في المكتب فوجد "كروز" السجائر فارغاً أيضاً. كان بحاجة لسيجارة ليغطي بمرارتها طعم المرارة في فمه. ارتدى الروب دوشامبر فوق البيجامة. سرّح شعره المنفوش ثم خرج حاملاً رزمة مفاتيحه في يده. سار نحو سيارته المركونة في باحة البناء. هيأ المفتاح في يده قبل أن يصل إلى السيارة. قرَّبَ يده بالمفتاح نحو القفل، لكنها تجمَّدت على بعد عدة سنتيمترات منه. لاحظ أن حواف ثقب القفل مثلومة كما لو أن القفل عومِل بعنف بواسطة جسم صلب. اندفعت الهواجس في رأسه مثل قطيع أبقار هائل استثاره قطيع من القراد. فقبل حوالى شهرين كان قد تلقَّى تهديداً بالقتل. وقد أطلع الأمن على ذلك التهديد فزاره أحد الضباط في مكتبه وقال له:

"أولاً الرسالة مطبوعة على الآلة الكاتبة والعنوان مكتوب باليد. وهذا شغل هواة بالتأكيد. ثانياً الخط الموجود على المغلف خط حريمي ناعم. يعني ممكن تكون الرسالة مجرد مزحة من سكرتيرتك أو من إحدى المعجبات!"

يومها لاحظ الضابط أن المدير لم يستسغ مزحته فقال له بجدية:

"على كل حال إذا جدَّ أي جديد رقمنا بتعرفه ونحن بالخدمة في أي وقت".

رجع المدير إلى داخل البيت دون أن يفتح السيارة. رفع السماعة يريد الاتصال بالأمن لكنه عندما تذكر ابتسامة الضابط واستخفافه برسالة التهديد أعاد السماعة إلى مكانها.

[إذا لم يجدوا شيئاً سيقولون إني جبان وقد تنتشر القصة وأُصبِح أضحوكة الجميع].

ظل المدير مدة من الزمن يهرش رأسه أمام الهاتف وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة يائسة. انتقى عقب سيجارة من المنفضة ثم أشعله وراح ينفث الدخان باستلذاذ!

[ماذا لو كان التهديد جدياً؟ سأموت بلا ثمن وبلا معنى!].

رفع سماعة الهاتف. ركَّب رقمين ثم أعاد السماعة إلى مكانها.

[إذا لم يكن في السيارة شيء فقد تحدث فضيحة تدمِّر مستقبلي السياسي!]

واصل المدير فرك جبينه براحة يده اليسرى وفجأةً توقف عن الحركة تماماً.

[الحل الوحيد أن أتصل بأسعد وأخبره أني أضعت مفاتيحي فيأتي هو ويفتح السيارة. فإن لم تكن السيارة ملغومة أكون بذلك قد وفَّرتُ على نفسي الإحراج. لكن ماذا لو كانت السيارة ملغومة؟ عندها سيموت أسعد وأكون أنا السبب!].

رفض المدير رأسه مستبعِداً تنفيذ هذه الفكرة.

[أسعد ليس مجرد سائق. إنه الرفيق الوحيد المتبقّي من أيام الطفولة والإنسان الوحيد الذي أشعر معه أنه ما يزال في داخلي مطرح للصداقة والنظافة! عندما يصيح بي في آخر الليل "يا …مدير!" أشعر بأن نسمة رقيقة من أيام الطفولة تهبّ على قلبي فأنتعش! لا.. لن أكون السبب في موته وتيتيم أطفاله! صحيحي أني سبَّبْتُ الألم لكثيرين لكنني لن أضحي بصديق طفولتي الوحيد الباقي كي أحافظ على كبريائي الزائف.. لا.. أبداً!]

عاد المدير لفرك جبينه. التقط سماعة الهاتف كمن التخذ قراراً خطيراً.

[ماهذه الحالة يا ربي! أشعر بأني معلّق بخيط واهٍ فوق هوة سحيقة! سأتصل بالأمن كي يأتوا لتفتيش السيارة. فليقولوا عني جباناً.. وليفعلوا ما يحلو لهم.. فليسخروا مني… هذا لا يهمني… لكني لن أعرِّض حياة أسعد للخطر مهما كانت النتائج!]

عند هذا الحد رفع المدير سماعة العاتف. قال بعذوبة شديدة:

"صباح الخير أسعد. الله يرضى عليك تعال وهات مفاتيح السيارة معك. لأن مفاتيحي ضايعة وكروز المالبورو بالسيارة وأنا مامعي ولا سيجارة و… خرمان".

 

                                                دمشق آذار 1992

 


 

[1] ثمة مثل شعبي يقول: عند العقدة خري النجار.

[2]  مزيج من كلمة "كاتاستروف" التي تعني بالانجليزية كارثة، وكلمة "بيروستويكا" التي  تعني إعادة بناء بالروسية.

خفستان في الرأس

 

قصة:حسن م. يوسف

قال زميلي لاوياً عنقه باشمئناط، رافعاً صوته

 كما لو أنه يريد أن يسمع الجميع:

"يا أخي واحد ما يطيقك، يسلِّم عليك ليش؟ وإذا سلَّم عليك، فليش يبوسك؟ أنا والله ظاهرة هالتبويس رح

تطيِّر لي عقلي! كأنّ البوس لازم يزيد كل ما نقصت المحبة!"

قلت له مبدِياً تعاطفي:

"معك حق والله… يا أخي. هالبلد صارت مبوَسة!"

جاءني صوت عامل الاستعلامات عبر سماعة الهاتف يقول أن ثمة شخص يريد

 أن يراني ودون أن أقف عند الاسم كالعادة طلبتُ إدخال الزائر. تابع زميلي كلامه

: "السافل. البارحة يقول عني إني عميل أجهزة، واليوم يبوسني! بشرفك ما شي

 …" توقف زميلي عن الكلام عندما دخل عبر باب القسم رجل عريض المنكبين

 في حدود الخمسين من العمر. ذكر الرجل اسمي فنهضتُ للقائه. أطبق بيده الضخمة

 القوية على يدي، وبعد أن هزَّها ثلاث هزات متناغمة مع هزات رأسه الضخم

، سحبني نحوه كما لو أنه يريد تقبيلي. ولما صار وجهي بمحاذاة وجهه – أي في

 الوضع المناسب لأن يقبِّلني – تجمَّد الرجل فجأةً مديراً لي خده بتعالٍ ودود كما لو

 أنه يفترض بي أنا أن أقبِّله! تجاكرتُ منه ونويتُ ألاّ أبدأهُ التقبيل لأنني لا أعرفه

 ولأنه هو الذي سحبني من يدي لا أنا الذي سحبته. استمر الوضع بضع ثوانٍ هكذا

، وعندما وقعت عيناي على عيني زميلي الشامتتين، قررتُ تلافي هذا الوضع

 المحرِج، فلامستُ خدَّ الرجل الأيمن بخدِّي الأيس وخده الأيسر بخدِّي الأيمن

، ودعوته للجلوس بينما كانت  ذاكرتي تستعيد صورة خروتشوف إثر وصوله إلى

 أمريكا للمرة الأولى، وهو يهزّ يد جاكلين كندي (بحرارة) كي يرغم زوجها جون

 على مدِّ يده أولاً، حتى لا يُقال إنه (حَطَّها واطية له!)

نظر الرجل إلى نقطة ما فوق رأسي بنفس الطريقة التي ينظر فيها الناس إلى

 أبناء أقاربهم الذين كبروا فجأةً. وبعد أن تملّى وجهي المشدود، هزّ رأسه إلى

 اليمين واليسار بحركةٍ طَروب وقال بلهجة فيها عتاب حميم: ما عرفتني؟!

صحيحي أني ألتقي الكثير من الناس بحكم عملي في الصحافة، إلا أنني كنت

 على ثقة أنه لم يسبق لي أن رأيت ذلك الرجل في حياتي. ففي عينيه برود ألماسي

 لا يُنسى، وفوق حاجبه الأيمن خفسة عميقة كتلك التي توجد أحياناً على القشرة

 الخارجية للبطيخ الأحمر الكبير الذي ينمو في تربة كثيرة الحجارة

، تقابلها خفسة ثانية لا تقِلُّ عنها عمقاً عند أعلى جبينه من الجهة اليسرى

. كما تغطي وجهه الطافح بالعافية والرضى عن النفس لحية كثة أضفى عليها

 المشيب المتدرّج هيبةً ووقاراً. أما شعر صدره الكثيف الشائب بالتدرُّج الوقو

ر نفسه فيوحي بأن لحيته من النوع التوسُّعي الذي يصل إلى اليدين و

أخمص القدمين. قلت "آسف، ذاكرتي مشوشة.. ما عرفتك".

هزّ الرجل رأسه بحزنٍ رصين. قال: شيء

 مؤسف! لكن مع ذلك توقعت هالشي".

فتح حقيبة يده الجلدية. أخرج منها بطاقة زرقاء مطبوعة

. نظر إلى البطاقة لحظو كما لو أنه يريد التأكد من شيء

ما، ثم قدَّمَها لي وهو يراقب ردود فعلي بدقة.

ألقيت نظرةً عجلى على البطاقة. رأيت صورة الرجل تتصدر الربع الأيمن من نصفها العلوي. وفوق رأسه مكتوب

 بين قوسين: (بطاقة إعلام دولية رقم 1) وتحت الصورة كتب بحرف ناعم: الحكيم الموهوب في المعارف العليا والطب. وتحته بحرف أكثر

 وجاهة وبروزاً. الحكيم العلاّمة شريف شمعو. وتحت الإطار الأسود الذي يجمع كل هذه الأشياء، دُوِّن عنوان الرجل

 في الحي الغربي من إحدى مدن الشمال فتحت البطاقة بعد أن ألقيت نظرة اندهاش على الرجل، فهزّ لي رأسه باعتداد

 كما لو أنه يأذن لي بالقراءة. فيلسوف عالمي أممي. يشفي الأمراض المستعصية. أعماله تشهد له. إنه معجزة العصر و

التاريخ. له خبرة عالية واسعة النطاق في معظم مجالات الحياة، سيَّما في الطب: شلل، فالج، سرطان ذكري، جلطة قلبية

، تشمُّع كبد، أوجاع البطن والمعدة والقلب، الروماتيزم وأوجاع العظم، الورم، دوخة الرأس، الوسواس، الربو، زيادات

 جلدية، جراحة خارجية، تجميل الوجوه، العقم: رجالي ونسائي، وجميع الأمراض النفسية والعقلية، العصاب والقلق

والخوف، وحل الخلافات الزوجية ومشاكل الشباب. إنه شفى حتى الآن أكثر من ثمانين حالة مرضية صعبة عجز عنها

 الطب المعاصر، وحلَّ أكثر من ستين مشكلة معقّدة، وبالتجريب أثبت جدارته للناس على مستوى دولي.

 ويقول: "التجربة أصدق من شهادة على ورق". وقد صنع عجائب كثيرة. خلَّصَ ثلاثة مرضى من السرطان.

 شفى مشلولاً بقوة الكلمة. أوقف القصف في لبنان برفع عصاه أمام شهود عيان بقوة الله والإيمان. و

من أعماله الفكرية جهَّز كتاباً عالمياً جديداً لا مثيل له في العالم بعنوان: "دين الأديان وعقيدة العقائد".

 طوَّر الشرائع الإلهية وعظَّم القيم الإنسانية بأفكار نورانية حديثة فعالة في غاية تحقيق الوحدة الإنسانية

 عالمياً في دين واحد وعقيدة واحدة للعالم قاطبةً لإنهاء النزعات العالمية وتحقيق السلام على أرض كوكبنا كله

. من أجل الحق والحقيقة: تابعوا أخباره وأعماله لخدمة الإنسانية العامة". أثناء قراءة البطاقة نظرت إلى الرجل

 مراراً غير مصدق ما أراه، وفي كل مرة كان الرجل يهز رأسه مقطباً ما بين حاجبيه بحكمة ولسان

حاله يقول: "إي نعم. هذا أنا"!

حملقتُ في الرجل كما لو أنني أتوقع أن تطلع له قرون وأن تطول أظافره في أية لحظة. لكنه ظلّ يبتسم لي مستمتعاً بدهشتي

 إلى حد غريب. لم يكن شكله يشجع على المزاح. فبنْيَتُهُ المتينة تمكِّنه بسهولة شديدة من إرسالي إلى جوار ربي بضربة واحدة

. إلا أنها حبكت معي، وعندما تحبك معي لا أستطيع بلعها حتى لو قطعوا رأسي! قلت للرجل بجدية تامة: ما دمتَ أوقفت

 القصف في لبنان برفع عصاك أمام شهود عيان، فليش وطِّيتها يا رجل! كنت خليها مرفوعة كنت وفَّرت علينا كل

 هالدماء وهالويلات!"

أجاب الرجل بالجدية نفسها: "شو بدي أعمل خدرت إيدي!"

قلت له بهدوء وبي خشية من أن ينطّ في أية لحظة ويحطّم مكتبي على رأسي: "طيب شو عندك وثائق

 تثبت هالكلام؟"

فتح الرجل حقيبته الصغيرة بنفس الهدوء وأخرج بطاقة ثانية خضراء اللون عليها الديباجة الأولى نفسها: "بطاقة

 إعلام دولية رقم 2". وضعتُ البطاقة جانباً ناوياً تأجيل قراءتها، فثبَّت الرجل عينيه الألماسيتين الباردتين في وجهي

 وحنى رأسه إحناءة خفيفة آمرة فتناولت البطاقة وشرعت في قراءتها كتلميذ ينصاع لأمر أستاذه الصارم. "فيلسوف

 أممي عالمي. وعالم متفوق حقاً.. ذاع صيته في جميع أنحاء العالم. نال إعجاب كبار المفكرين ورجال الدين والأطباء

. تكلمت عنه الإعلامات الدولية بأوصاف عالية".

طويتُ البطاقة بحزم وقلت للرجل بهدوء: "مادامت الإعلامات الدولية تكلمت عن سيادتك فمعناها أنك كنت

 مسافراً في الخارج؟".

أجاب الرجل وهو يلفّ ساقاً على ساق على طريقة الممثلين المصريين عندما يؤدون أدوار الرجال الخطرين في المسلسلات

 والأفلام التجارية: "لا… أبداً! الإعلامات الدولية هي اللي جاءت لعندي لهون حتى تأخذ أخباري".

ابتلعتُ ريقي محاولاً منع نفسي من الضحك: "طيب. معك أي شيء مما كتبته الإعلامات الدولية؟"

فتح الرجل حقيبته الصغيرة باعتداد وبطء ثم قال قبل أن يُدخِل يده فيها: "الإعلامات الدولية كتبت عني كثيراً. لكن بالحقيقة

 والواقع ما وصلني إلا أشياء محدودة منها."

قلت محاولاً ضبط نفسي حتى النهاية: "طيب ممكن شوف أي شي معك.."

أخرج الرجل قصاصة ورق صفراء أكبر من الطابع البريدي بقليل، من مغلّفٍ فيه صور ملونة.

قال: "المريض اللي عم تحكي عنه الإعلامات هون، أنا شفيته بعدما عجز الأطباء. كان معه تشمع كبد وبفضل عملية

الغسيل اللي عملت له إياها كان ممكن يعيش عشرين سنة لو ما مات بالقرحة!"

طوى الرجل قصاصة الجريدة قبل أن يسمح لي بقراءتها ثم أخرج مجموعة صور ملونة وفردها على المكتب أمامي

، فإذا بها صور مرضى ومشوهين جراح بعضهم مفتوحة ومتقيّحة.

جعلتني الصدمة أقف على قدمي وسرت في أوصالي رعشة باردة. قال بانزعاج: "مابك قمت؟"

قلت بعد أن ابتلعتُ لعابي: "رح جيب مصور يصوّرَك!".

بلحظة استعاد الرجل ابتسامته: "إذا هيك معليش".

راقبت الرجل وهو يأخذ وضعيات العظماء أمام الكاميرا فشعرت بالرثاء له. غير أني شعرت بالسخط وأنا أفكر بالمريض

 الآخر الذي سمح له بطبع بطاقات إعلام دولية! يصف نفسه بأنه حكيم الحكماء وعالم العلماء وعبقري الأجيال

 رغم أنه ليس إلاّ مريض المرضى وحسب. انتهى المصور من عمله فقلت للرجل بهدوء: "طيب يا أستاذ.. هون مكان

 عمل، فقل لي بصراحة كيف ممكن أساعدك؟"

أشار الرجل إلى صدره بإبهامه ثلاث مرات متوالية ثم قال باندهاش شديد: "تساعدني أنا؟"

قلت وقد التَخَمْتُ لردِّ فعله: "إذا ما عندك مانع!"

شردَ في نقطة ما في الفراغ، وبعد أن ماجَ إلى الأمام والخلف شقَلَني بطرف عينه وقال لي بصوتٍ فيه الكثير من التأثُّر

: "أنا هالقاعد قدامك وما معَبِّي عينَك… أنا بساعِد دول أنا… فما عيب عليك تحاكيني بهاللهجة؟! أصلاً أنا غلطان

 لأني فكرت أنطلق عالمياً من بلدي… كان لازم أعرف أنكم ما بتلحَسوا إلاّ القفا اللي بيجيكم من فوق…"

ووسط دهشتنا جميعاً حمل حقيبته وخرج وهو ينظر إلينا باحتقار!

أحرجتني ضحكات زملائي فأخذتُ الرشفة المتبقِّية من كأس الشاي البارد ثم أسندت رأسي بكلتا يدي وأخذت أفكر بهذا الرجل الغريب وفي داخلي مزيج من المشاعر الغامضة.

أحسست من خلال انحجاب نور النافذة كما لو أن شخصاً ما يقترب من مكتبي ولما فتحت عيني تبيَّنتُ صحة إحساسي.

شدَّ الرجل على يدي بقوة وحرارة ساحباً إياي نحوه ليصبح وجهي بمحاذاة وجهه وقبَّلني، فلم أقبِّله! نظر إليّ بودّ

 وهو يجلس على الكرسي الذي كان يشغله ذلك الرجل قبل قليل. قال بلهجة ودودة فيها عتاب: "ما عرفتني؟"

فجَّرت الكلمة غيظي. فقلت للرجل بلؤم: "ولو! كيف ما عرفتك! أنت عباس بن فرناس"!

حملق الرجل في وجهي بقلق ثم قال باستغراب: "شو صار لك يا رجل؟ أنا ابن خالتَك مصطفى!"

كان مصطفى قد تغيَّر فعلاً خلال السنوات السبع التي أمضاها في بولونيا إلا أنّ الغيظ أعماني عن معرفته،

 فنهضتُ وعانقته معتذراً. غمغم بين الجد والمزاح: "بشرفي فكَّرتَك جنيت!"

أجبته باللهجة نفسها: "يا ريت يا مصطفى يا ريت… ساعتها كنت على الأقل بذوق لذة العيش اللي بيحكي عنها الشاعر!"

                                                دمشق – حزيران – 1989

الآنسة صبحا

قصة: حسن م. يوسف

 

 

مزموم الرقبة يمشي كما لو أنه يتوقع أن ينزل على نقرته كفٌّ من السماء. يلقي السلام بصوت نيء مزرزقاً

عينيه إلى اليمين فالشمال: "إلهي ومولاي يعطيك العافية".

في حضرة من يكبرونه سناً وقدراً يربص دونما حراك وعلى وجهه تلك الابتسامة المتوترة التي توحي بأنه ينتظر

 أن يُضرَب على نقرته. وعندما يتوقف المتحدث لحظة لالتقاط أنفاسه يقول له مرفرفاً برموش عينيه: "صدقتَ

 يا آدمي.. أي والله صحيح"

أما في حضرة الناس العاديين فكان يلوي رقبته كما لو أنها تكاد تنقصف تحت ثقل عقله الرزين، ثم يمسح فمه وذقنه براحتيه

 اليسرى فاليمنى على التوالي مغمغماً بورعٍ مبالغ فيه:

"إلهي لك الحمد ورضاك الشكر.. يا كريم. إلهي وأنت جاهي تستر آخرتنا وتحسِّن حالنا يا سميع يا عليم".

إلا أنه لم يعد يجرؤ على فعل ذلك في حضرة ابن عمه حمد. فمنذ سنة وبضعة أشهر كان طاهر جالساً مع عبدو حسي

 والأشرم وعباس عون تحت التوتة ينتظر انتهاء (زيق) المنقلة بين حمد والأشرم ليلعب. وعندما بدأ الزيق يميل لصالح

 الأشرم، شرع طاهر في استذكار أدعيته مستجدِياً الإعجاب ممن حوله "إلهي يا حنان يا منان يا رؤوف يا سلطان

…" فما كان من حمد المغتاظ إلا أن رشق ابن عمه بما في يده من حصى المنقلة صائحاً فيه: "إلهي ياخذك

 ويريحنا منك… يا ثقيل!"

نقز طاهر كما لو أن الضربة التي طالما انتظر نزولها من السماء على نقرته، نزلت أخيراً.

 قال مرتاعاً: "لا.. ابن العم.. لا تغلَط!"

هزّ حمد رأسه بنفاد صبر زاماً شفتيه كما لو أنه يبتلع دواء مراً. قال:

"اسمع! قسماَ بالله إذا أنا لحقت النسوان وأنت لحقت الصلاة، الله رح يوفِّقني أكثر منك…"

قال طاهر ماسحاً طرف أنفه بحركة لا شعورية: "ليش بقا؟"

"لأني رح ألحق النسوان بنِيَّة طيبة.. أما أنت فرح تلحق الصلاة بنية عاطلة… يعني وَجْهَنة… قدام الخلق!"

يومها سكت طاهر كما لو أنه أُلقِم حجراً، فقد كان لكلام ابن عمه مبرراته. فطاهر مازال

 يعيش في بيت التراب الذي ورثه عن أبيه ولم ينجب أطفالاً رغم مضيّ اثني عشر عاماً على زواجه. بل إن

 زوجته حسنة التي كانت حسناء الضيعة ذبلت بسرعة عجيبة وتكرنشت بشرتها كما لو أن طاهر ينفث السم بين فخذيها

. أما أحواله المادية فلم تتحسن كثيراً بالقياس إلى أسرته الصغيرة وعمله الكثير. لكن طاهر كان يملك ما يُفاخِر به حقاً.

 فبقرته التي أسماها "صَبْحا" لعلامةٍ بيضاء على جبينها، هي من أجمل أبقار المنطقة وأكثرها إدراراً للحليب. وهو

 يستمتع كثيراً بسرد القصص عن ذكائها العجيب لدرجة أن ابن عمه حمد لقَّبَها "الآنسة" واقترح عليه أن يدبِّر لها واسطة

 ويعيِّنها مديرة لمدرسة الضيعة!

وقد كانت الآنسة صبحا ذكية بالفعل. فبسبب تاريخها المشرّف في أكل الثياب قام طاهر بنصبِ مَنْشَر متحرِّك على بكرتين

 يمتدّ من ركن بيته إلى قِفْل التوتة التي تقع على بعد عشرة أمتار منه. فكانت زوجته تبعد الثياب بعد نشرها وتستعيدها

 عندما تجفّ. إلا أن الآنسة صبحا لم تنْطَلِ عليها العبة لوقتٍ طويل. فذات يوم استغلَّت انشغال طاهر بقطف بنيَّات التبغ

وغياب زوجته على العين، وظلت تلوك حبل القنب من الجهة المنخفضة حتى انقطع المنشر. ولو لم تنتبه جارتهم عليما

 لذلك لكانت الآنسة صبحا قد قضت على نصف ثياب العائلة.

لكن ذكاء الآنسة صبحا كان خطراً رغم تفاخر طاهر الدائم به. إذ كانت تضعه في خدمة جشعها وليس من شيء

أخطر من الذكاء عندما يوضع في خدمة الجشع. فقد اكتشفت الآنسة صبحا أن باب غرفة المؤونة يُفتَح بالدفع إثر

 سحب شطفة خشب تُحشَر عبر ثقبٍ في الباب بشكل موارب بين الباب والجدار. وفي أحد أيام الصيف الماضي

 ظلت الآنسة صبحا تعالج شطفة الخشب بخشمها حتى وقعت. فدفعت الباب بمقدمة رأسها ودخلت. وبما أن صاري باب

 السنديان الثقيل يرَكَّب مائلاً لتسهيل عملية إغلاقه، فقد انغلق الباب خلف الآنسة صبحا. شمشمت دربها إلى عنبر الحنطة

. التقطت بضع حبيبات هرت على الأرض أثناء تعبئة الطحنة الأخيرة من العنبر. لمحت بضع حبات أخرى من القمح تطل

ُّ من أسفل "عين" العنبر التي هي بمثابة بووابة خشبية صغيرة محصورة بين مجرَييْن، فأخذت تلعط البوابة بلسانها. وبما

 أن عين العنبر كانت متوسِّعة بعض الشيء بسبب كثرة الاستعمال، فقد ارتفعت البوابة قليلاً إلى أعلى واندفعت من

 تحتها بضع حبيبات من الحنطة، ونظراً لذكائها الشديد فقد اكتشفت أن عين العنبر تفتح للأعلى، فدفعتها بخشمها

. وبعد لحظات كانت كل مؤونة بيت طاهر من الحنطة مكوَّمة أمام الآنسة صبحا.

خشَّ قلبُ طاهر عندما لم ير بقرته أمام البيت، فنادى امرأته التي كانت تخبز على التنور ولما أجابته بأنها لم تر

 صبحا هرول نازلاً في الزاروب موقناً أنها لابدّ أن تكون في "قصيل" ابن خاله سمعان الذي أقسم بالتسعة وتسعين نبياً

أن يقصّبها إذا أمسكها في قصيله مرة أخرى. شعر بالارتياح عندما لم يجدها في القصيل فهرول مسرعاً يريد إنهاء

تعمير رعشٍ مهدود في أرضه. إلا أن ابن عمه حمد دعاه لشرب كأس من الشاي، فزررَقَ بعينيه وقال وهو

 يزمّ رقبته من جديد مستسلماً لإغراء كأس الشاي: